عفيف الدين التلمساني
215
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : إن جعلت لغيري عليك مطالبة أشركت بي فاهرب هربين هربا من الغريم وهربا من يدي ) . قلت : معناه : إن اعتبرت الأغيار أشركت فتطالبك الأغيار لأنك جعلت لها عليك مطالبة فهذه مطالبة ومؤاخذتي لك مطالبة أخرى . قوله : ( وقال لي : إن جعلت لك معي مطالبة فقد سويت بي ) . قلت : معناه إن جعلت لنفسك حقّا خارجا عن حق ربك فأنت إذن مطلوب من غريمين : أحدهما ربك تعالى ، والآخر نفسك ، فقد سويت إذن بربك تعالى نفسك في أن كلا منهما له حق ، وذلك خروج عن شروط القيوم . قوله : ( وقال لي : أنا باد لا للبدو ولا لنفيه ولا لأرى ولا لأن لا أرى ولا لما ينعطف عليه لام علة باد ليس فيه إلا باد ) . قلت : معناه أن البدو إنما يكون بين اثنين ، وما ثم اثنان يبدو أحدهما للآخر ، فأين البدو ؟ أو يرى أحدهما الآخر فأين الرؤية أو عدمها ؟ ، وإنما هو باد ليس فيه ما يخفى فما فيه إذن إلا باد ، وهذا إذا كان هو غير الوجود ، ولم يكن مع الوجود إلا الوجود فهو كما ذكر ، وإنما لم يكن مع الوجود غيره لأن غيره ليس إلا العدم وهو لا شيء من كل وجه . قوله : ( وقال لي : أنا غيب لا عما ولا عن ولا لم ولا لأن ولا في ولا فيما ولا بما ولا مستودعية ولا ضدية ) . قلت : لما ذكر قبل أنه باد ليس فيه إلا باد ، وذكر عوارض البدو ، ونفى عوارض الغيبة تنزهة عنها ، وحاصله أنه غيب ، والظاهرات كلها منه ، فما هو إذن غائب عما ، وهو عبارة عما لا يعقل ، ثم نفى عن بالكلية ونفى العلة بقوله ولا لم ، وهي حرف يسأل به عن العلة ، ونفى لأن وهي العلية أيضا ، ونفى الظرفية بقوله ولا فيما ، ونفى السببية أو حرف الاستعانة بقوله ولا بما ، ثم نفى المستودعية وهي مشتقة من الوديعة ، ونفى بعد ذلك نفيا عاما وهو قوله ولا ضدية فإن للعوالم العلوية والسفلية بين كل اثنين منها ضدية ما بها يمتاز أحد المتغايرين عن الآخر ، ولو أيسر مضادة مثل ما به يقال إن هذا ليس هو هذا وبالعكس ، فهو إذن يشير إلى أن وجوده فرداني وفردانيته وحدانية ، ووحدانية أحدية وهو هو فقط ، وما سواه إثباته غلط .