عفيف الدين التلمساني

189

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : وجهي قبلته وعيني بابه أقبل عليه بكلك تجده مسلما لك ) . قلت : هذا التنزل غامض ، وإدراكه يحتاج إلى لطف الفطرة وحاصله الإخبار عن معنى قوله تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : الآية 115 ] . فإذا نظر العبد إلى بيته ، والمراد بالبيت القلب وجد وجه الحقيقة قبلة له ، وليس على من أقبل عليه بكله عتب إذ من أقبل بكله دخل البيت فلا يعتب ، والعتب إنما هو على الباب ، ومنه إله عبد نظر إلى قلبه فإن صرف عنه السوى وجد الحق ، فإن توقف عن الإقبال عليه فهو بالباب وهو موضع العتاب ، وإن أقبل عليه بكله كان في البيت ، ومن كان في البيت لم يكن غير صاحب البيت الحق ، وهذا هو معنى قوله وجدته مسلما ، ويجوز تخفيف اللام في مسلما لك إلا أن شرح ذلك مما يقال مشافهة . قوله : ( وقال لي : إذا رأيتني وحدي في بيتك فلا ضحك ولا بكاء ، وإذا رأيتني والسوى فبكاء ، وإذا خرج السوى فضحك نعماء ) . قلت : معنى رؤيته وحده هو أن لا يرى في الوجود غيره ، وحينئذ من هو الذي يضحك ، ومن هو الذي يبكي ، والضحك والبكاء إنما هما مع رؤية الغير . وأما إذا رآه والسوى فالرؤية كاذبة ؛ وذلك لأن الحق تعالى لا يرى مع حضور السوى فليبك البواكي على صاحب هذا النظر ، فإن قوله فبكاء أي موجب بكاء على حذف المضاف . وأما قوله وإذا خرج السوى فضحك فمعناه موجب للسرور الوارد على المحل بخروج الضد منه وأشرف هذه المراتب الثلاث المرتبة الأولى ، ثم الثالثة لأن لا ضحك ولا بكاء علامة فقد السوى بالكلية ، وأما الضحك فرسم الضاحك باق ، ولولا ذلك لم يكن هناك ضاحك ، وأما الباكي فذلك غير السوى ، وعالم البكاء . قوله : ( وقال لي : انظر إلى أصناف ردي لك عن أصناف السوى أغرت عليك أم أطرحتك ) . قلت : هذه الاختلافات التي بين عبارات هذه التنزلات هي أصناف الرد عن أصناف السوى ، وفي كل تنزل منها اعتبارات للسوى وعدميات من التعينات