عفيف الدين التلمساني
174
شرح مواقف النفري
يثبت بثباتي وجه آخر وهو أن يرى أنه إشارة إلى ثبات علمه وحاله ، فإن العلم يثبت بثبات المعلوم ويتغير بتغيره ، والحق تعالى لا يتغير ، فالعلم به لا يتغير ، ولذلك قال السادة من هذه الطائفة أنه ما تجلى اللّه تعالى لشيء فاحتجب عنه بعد ذلك . قوله : ( وقال لي : لو اجتمعت القلوب بكنه بصائرها المضيئة ما بلغت حمد نعمتي ) . قلت : المراد بالقلوب هنا ما يجمع قوة شاملة لآلة هي العقل ، ولبصيرة هي المعرفة ، ولقوة هي الإشهاد ، ثم لجموع هذه لو اجتمع لم تبلغ حد النعمة الإلهية وذلك لأن هذه القوى أنفسها نعمة منه تعالى ثم حمد هذه القوى نعمة أخرى تستحق الحمد وتتسلسل . وذكر بعض المشايخ رضوان اللّه عليهم في قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 27 ) [ لقمان : الآية 27 ] يشبه هذا التنزل وهو قوله لا يتجاوز كل نقطة من الأبحر أن تكتب معنى نفسها من جهة أنها كلمة من كلماته تعالى ، فإذن لو تضاعفت البحور إلى غير نهاية لم تتجاوز حدود أنفسها من جهة أنها كلمات ، وذلك أنه كان يرى أن الموجودات كلمات وذلك أنه كان يرى الوجود نفسه « رقّا منشورا » والموجودات به كلمات مكتوبة ، والقلم الأعلى منها فهو كاتب مكتوب بمقتضى ما مر من شرح التنزل الذي معناه انعطاف الجزئيات بعضها على بعض في الإظهار الإلهي . قوله : ( وقال لي : العقل آلة تحمل حدّها من معرفتي ، والمعرفة بصيرة تحمل حدّها من إشهادي ، والإشهاد قوة تحمل حدّها من مرادي ) . قلت : المراد بالحد النهاية ، فكأنه قال العقل ليس له بصيرة ولا قوة ولكن آلة للنفس ، ونهاية النفس في الإدراك به المعرفة ، وذلك هو مبدأ الإشهاد ، وأما المعرفة فهي بصيرة والبصيرة فوق الآلة وهي إشهاد والمراد به المكاشفة التي تمحو الرسوم التي كان العقل يثبتها ، لكنها إشهاد جزئي وهذه المعرفة نهايتها وحدها هو الإشهاد الكلي وذلك في اصطلاحه هي الوقفة ومعناها محو الرسوم كلها حتى يفنى شاهد في وجود مشهوده وتضمحل الرسوم والحدود ، ثم هذا الإشهاد الكلي حده