عفيف الدين التلمساني
168
شرح مواقف النفري
قوله : « والخفي الغابر » أي تفسير قوله : الخفي هو الغابر ، والغابر الذاهب الماضي فكأنه قال : صار العمل ذاهبا عني . قوله : « فما نفعني إلا رحمة ربي » أي ما نفعني إلا رؤية الرحمة ، والرحمة هي مرتبة الرحمن الذي يحشر إليه المتقون وفدا وحقيقة الرحمة وجود الحق تعالى ، فكأنه قال ما وسعني إلا ربي ، وهو الواسع العليم ، وذلك قوله : « إن رحمتي وسعت كل شيء » « 1 » . قوله : ( وقال لي : أين عملك ؟ فرأيت النار ) . قلت : أي رأيت إثباتي للعمل أنه موجب للنار ، فسماه نارا مجازا . قوله : ( وقال لي : أين معرفتك ؟ فرأيت النار . وكشف لي عن معارفه الفردانية فخمدت النار ) . قلت : أي صارت المعارف نارا ، كما صارت الأعمال ، فإنها أعمال القلوب . قوله : « وكشف لي عن معارفه الفردانية » أي ثبوت أن العارف والمعروف فرد صمد فرأيت كل شيء هالك إلا وجهه فخمدت النار لأن حطب النار شهود الأغيار ، وبالفردانية تذهب الأغيار ، فتجد الجنة في النار ، ولا جنة ولا نار مع ثبوتهما بالفردانية في البصائر والأبصار . قوله : ( وقال لي : أنا وليك ، فثبت ) . قلت : أي أراني ثبوتي به بعدما أراني محوي فيه ، وهذا يسمى البقاء بعد الفناء . قوله : ( وقال لي : أنا معرفتك ، فنطقت . وقال لي : أنا طالبك فخرجت ) . قلت : معناه أنه عرفه أنه معرفته ، وذلك بأن صار سمعه وبصره ، وجميع مشاعره ومداركه ، فلما رأى ذلك كذلك نطق ، وكان الناطق من له النطق ، فرأيت أني أنا الطالب وهو المطلوب ، وكان ذلك خروجا عن شهودي فخرجت وذلك لأنه
--> ( 1 ) رواه أبو يعلى في مسنده عن أبي سعيد الخدري ، حديث رقم ( 1313 ) [ 2 / 483 ] والنسائي في السنن الكبرى ، حديث الفتون [ 6 / 404 ] .