عفيف الدين التلمساني
162
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : يا عارف أرى عندك حكمتي ولا أرى عندك خشيتي أفهزئت بي ) . قلت : الخوف والخشية في العلم وقد يجاوزهما العارف بالحكمة التي بها ترقى عن ظاهر العلم ، قوله : « أفهزئت بي » معناه أن حال العارف فيما يبدو شبيهة بحال المستهزىء لكونه في الغالب يفتر عن الأعمال الظاهرة تشاغلا بالأحوال الباطنة . قوله : ( وقال لي : يا عارف أرى عندك دلالتي ، ولا أراك في محجتي ) . قلت : الدلالة كونه يستدل به تعالى بخلاف العالم فإنه يستدل عليه ، فإذن عنده الدلالة وليس هو في المحجة إذا المحجة هي طريق العوام بالعلم ، وأعني بالعوام علماء الرسوم ، وليست للعارف محجة وهو قول أبي يزيد أو غيره ( قلت : كيف الطريق إلى اللّه فقيل لي : ما إلى اللّه طريق فعرفت اللّه تعالى ) فإذن المحجة وهي الطريق ليست للعارف . قوله : ( وقال لي : من لم يفرّ إليّ لم يصل إليّ ، ومن لم أتعرّف إليه لم يفرّ إليّ ) . قلت : الفرار إليه تعالى حقيقة مفارقة السوى إما علما وعقدا ، وإما شهودا ، والمراد هنا الثاني وهو الشهود بدليل قوله : « وإن لم أتعرف إليك لم تفر إليّ » والتعرف مفارقة الأغيار ولو بوجه ما ، ولقد أحسن الشرف ابن الفارض في بيت من قصيدته التائية وهو : فلن ترني ما لم تكن فيّ فانيا * ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي ومحل الشاهد من البيت هو شطره الثاني مع أن ألفاظ هذا الرجل توهم الجاهل بمراده خلاف مقصوده ، فإن اجتلاء الصورة فيه توهم الظرفية وهي ليست مراده وكيف وهو ينفي المعية في قوله : والمعية لم تخطر على المعيتي . قوله : ( وقال لي : إن ذهب قلبك عني لم أنظر إلى عملك ) . قلت : في قوله عليه السلام : « الأعمال بالنيات » « 1 » كفاية ولكن حظ الخواص
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب بدء الوحي . . . ، حديث رقم ( 1 ) [ 1 / 3 ] وأبو داود في سننه ، باب فيما عني به الطلاق والنيّات ، حديث رقم ( 2201 ) [ 2 / 262 ] ورواه غيرهما .