عفيف الدين التلمساني

149

شرح مواقف النفري

وذلك كله من فعل هوى النفس لتخلص من التكليف في البعض إذا عجزت عن الكل ، فطرقات العلم تأويلات والتأويلات كثيرة الاتساع ، والاتساع كثير المخارج إلى ضد المقصود من الأمر والمحاج كذلك ذوات اختلاف ، والاختلاف أخو الخلاف ، والخلاف يقتضي الجدل ، وما أهلك أمة من الأمم حتى أوتوا الجدل . قوله : ( وقال لي : امض لأمري إذا أمرتك ، ولا تسألني عن علمه كذلك أهل حضرتي من ملائكة العزائم يمضون لما أمروا به ، ولا يعقبون ، فامض ولا تعقب تكن مني وأنا منك ) . قلت : ملائكة العزائم كهذه الأفلاك تمضي بأمر ربها عزّ وجلّ ولا تعقب ، والتعقيب النظر إلى العقب ، وهو التفات إلى القفاء وراء ، والصوفي لا يرجع إلى وراء ولا يسمع النداء من خلف القفاء . قوله : ( وقال لي : ما ضنة عليك أطوي علم الأمر إنما العلم موقف لحكمه الذي جعلته له ، فإذا أذنتك بعلم فقد أذنتك بوقوف به ، إن لم تقف به عصيتني لأني أنا جعلت للعلم حكما ، فإذا أبديت لك العلم فقد فرضت عليك حكمه ) . قلت : الضنة البخل ، ومن كان طالبا للحكمة في مسائل العلم فمطلوب منه الوقوف على حقيقته ومعاقب على ترك ذلك إذ كان الحق هو الذي جعل للعلم أحكاما معلولة العلل وباقية ظاهر . قوله : ( وقال لي : إذا أردتك بحكمي لا بحكم العلم أمرتك ، فمضيت للأمر لا تسألني عنه ولا تنتظر مني علمه ) . قلت : معناه إذا أردت أن تكون بحكمي لا بحكم العلم ، ومن حقق هذا جعل العمل قبل العلم بالحكمة في مسائل العبادات ، ولو قال السلطان لبعض أمرائه اذهب إلى البلد الفلاني فسأل عن الحكمة في ذلك قبل أن يكون سلطانه هو الذي يعلمه بالحكمة فيه فقد أساء أدبه مع سلطانه . قوله : ( وقال لي : إذا أمرتك فجاء عقلك يجول فيه فانفه وإذا جاء قلبك يجول فيه فاصرفه حتى تمضي لأمري ولا يصحبك سواه فحينئذ تتقدّم فيه ، وإن صحبك غيره أوقفك دونه فعقلك