عفيف الدين التلمساني

137

شرح مواقف النفري

لا وجود له فيكون ذلك حائلا بينه وبين نفسه ، إذ لا يرى إذ ذاك له نفسا ، فهذا معنى قوله : « جاءك حكمي القيوم فحال بينك وبين نفسك » . قوله : ( وقال لي : إن انحصر علمك لم تعلم ، وإن لم ينحصر عملك لم تعمل ) . قلت : الحصر للعبد والإطلاق للرب تعالى ، فإذن إن انحصر علمك فنسبتك إليك لا إليه فلم تعلم شيئا ، لأن العلم مما يقع في محله ، وأما العمل فبالعكس ، والمعنى المعتبر فيهما واحد بعينه ، فإنه إن لم ينحصر العمل كان العامل هو الحق إذ له الإطلاق فلم يكن للعبد عمل . قوله : ( وقال لي : العمل عملان : راتب ، وزائر ، فالراتب لا يتسع العلم ولا يثبت العمل إلا به ، والزائر لا يتسع العلم له ) . قلت : الإشارة إلى أن الراتب يتسع به العلم وهو العلم الإلهي من مضمون « واتقوا اللّه ويعلمكم اللّه » وبه يثبت العمل أي يتضح أن نسبته إلى اللّه تعالى وأما الزائر فما أجرى الحق تعالى سنته أنه يؤدي إلى الكشف الموسع للعلم . قوله : ( وقال لي : إن عملت الراتب ولم تعمل الزائر ثبت علمك ولم يتسع ، وإن عملت الزائر والراتب ثبت عملك واتسع ) . قلت : معناه إن كان الاستعداد قويّا بأن يوجب عليك الراتب والزائر أوجب ثبوت العلم واتساعه ، وإن قصر فاقتصر على الراتب ثبت العلم ولم يتسع . قوله : ( وقال لي : اعرف صفتك التي لا يغيب العلم فيها عنك ثم اعرف صفتك التي لا تعجز فيها عن عملك فتعلم ولا تجهل وتعمل ولا تفتر ) . قلت : هذا التنزّل سوف أشرحه على حكم ما تقتضيه قواعد هذا الطريق خصوصا ما يعتمده النفري رحمه اللّه في إشاراته ، وذلك أن الصفة التي لا يغيب العلم فيها عنك هي رؤية أن كل ما جمعك على الحق فهو إشارة العلم الحق ، وهذه قاعدة تشتمل المنقول وغير المنقول بعد أن تضبط القاعدة ، فإن الأصل يطرد ، فهذه القاعدة هي الصفة التي لا يغيب فيها العلم عنك ، وذلك يقتضي أن تعلم ولا تجهل إذ هو معنى واحد يرشدك في كل الصور ، فلا يجد الجهل إليك سبيلا ، فإن الجهل إنما يكون مع كثرة الصور التي لا يجمعها أصل واحد ، والمراد