عفيف الدين التلمساني

135

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : تعلّم ولا تسمع من العلم ، واعمل ولا تنظر إلى العمل ) . قلت : هذا تسليك ، وذلك يقتضي رؤية أن العمل للعبد ، وأنه أجير فيه يعمل بالأجرة ، وذلك ليس من شأن العبيد إذ لا أجرة للعبد ، فهذا معنى قوله : « ولا تسمع من العلم » فإن قلت فلأي شيء قال له تعلم إذا لم يسمع من العلم فالجواب أن التعلم هو من جملة العمل فلذلك قال تعلم فإنه قال بعد واعمل . قوله : « ولا تنظر إلى العمل » فمعناه في زمن الحجاب أي لا تعتد بالعمل ، ومعناه في زمن الكشف ، أي لا تثبت لك أنك العامل ففي كلا التقديرين لا ينبغي النظر إلى العمل . قوله : ( وقال لي : عمل الليل عماد لعمل النهار ) . قلت : أجرى الحق تعالى سنته أن من قام الليل عاملا فإنه يصبح نشيطا لعمل النهار أما أولا : فللأنس الحاصل له فإن العمل يستدعي الأنس باللّه ، والأنس يستدعي النشاط لعمل آخر خصوصا عمل الليل ، فإن الأنس به أقوى ، وأما ثانيا : فلأن النفس بالعمل الأول تنفعل للعمل ، والانفعال استقامة ، والاستقامة تستدعي دوام العمل ، قال اللّه تعالى : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [ هود : الآية 112 ] . قوله : ( وقال لي : تخفيف عمل النهار أدوم فيه ، وتطويل عمل الليل أدوم فيه ) . قلت : معناه أن الشواغل بالنهار كثيرة فهو أشق عملا فإن خففه فيه أمكن دوامه وإلا عجز وانقطع وأما عمل الليل فتطويله أدوم من جهة أن العائق فيه أكثر ما يكون النوم ، ومتى طول العبد في عمل الليل أخذت العين عادة واحدة في النوم فيستيقظ ويذهب نومه في الوقت المعلوم ، هكذا جربه أهل الأوراد في الليل ، وإذا زال نومه الذي هو الشاغل نشط والتذ بالعمل فدام فيه ، خصوصا إن صحبته المحبة أو كان دون ذلك بأن يعمل للّه تعالى لا للجنة ولا للنار ، وأما العمل لهما فاللذة قليلة فيه . قوله : ( وقال لي : إن أردت أن تثبت بين يدي في عملك فقف بين يدي لا طالبا مني ولا هاربا إليّ ، إنك إن طلبت مني فمنعتك رجعت إلى الطلب لا إليّ أو رجعت إلى اليأس لا إلى الطلب ، وإنك