عفيف الدين التلمساني
131
شرح مواقف النفري
ووهوب ولم يقل من وراء الآخرة فإن الآخرة هي دار القرار ، فإذن سلوك السالك إلى اللّه تعالى ليس هو لأجل شيء ، ولا معللا بشيء . ولي في هذا المعنى أبيات وهي : كل الهوى إلا هواك معلل * والصبر إلا عن جمالك مجمل وشروط حبك إن ما صان الفتى * مما يعز فإنه لك يبدل يا مانحي نعما لبست برودة * فعدوت من طربي وزهوي أوفل لا كان من لسواك فيه بقية * يجد السبيل بها إليه العزل عندي غرام قد تقادم عهده * والراحة أقدمها الذي هو تقتل ما هينم الهادي بذكرك في الدجى * إلا وسابقت المطي الأرجل وتفاخرت عيني وقلبي هذه * لك منهل فيها وفي ذا منزل يا عرب نجد كم سالت فلم أجد * إلا صدى عنكم كمثلي يسأل وجهلت عرفان الديار تقوضك * عنها بكم وجهلت أني أجهل قوله : ( وقال لي : إذا سلكت إليّ من وراء الدنيا أتتك رسلي متلقين تعرف في عيونهم الشوق وترى في وجوههم الإقبال والبشرى ، أرأيت غائبا غاب عن أهله فأذنهم بقدومه ، أليس إذا قطع مسافة القاصدين ، وسلك في محجة الداخلين تلقوه أمام منزله ضاحكين وأسرعوا إليه فرحين مستبشرين ) . قلت : مضمون هذا التنزل الحث على العود في السلوك إليه تعالى على الدرجة التي منها أتى العبد ، وذلك أن العبيد كانوا قبل الإيجاد في علمه تعالى وليس إذ ذاك بين العالم والمعلوم فاصلة ولا ثالث ، فينبغي أن يكون الرجوع إليه تعالى بالتعري عن الثالث ، وذلك إنما يكون إذا أعرض عن غير الحق تعالى . والغير كله من الدنيا ، ثم إن الرسل التي تتلقى هذا السالك هي ملائكة ربه تعالى وهم من الآخرة وهذا السالك لم يسلك من وراء ما في الآخرة ، ولو كان من الذين سلكوا من وراء ما في الآخرة لكان المتلقّي لهم هو تعالى دون رسله ، وهؤلاء هم أهل التجليات ، فلما اختص أولئك بالسلوك من وراء الدنيا فقط تلقتهم الوسائط الذين هم من وراء الدنيا وليس إلا أهل الآخرة وهم ملائكة الرب عزّ وجلّ ، وفي هذا التنزل سر غريب وسألوح بمعناه وذلك أن الذين يسلكون من وراء الدنيا هم