عفيف الدين التلمساني
124
شرح مواقف النفري
الإشارة وهي أن الحقيقة تقتضي أن تطلب كل ماهية أن يستغني بذاتها عن غيرها ثم إنه يدرك كلها العجز فتخلو أجواف بعض فيحل فيها بعض مما يفتقر إلى الوعاء ، وهذا مثل الأفلاك فإنها أوعية لما احتوت عليه وإنما خلا جوفها لعجز مادتها أن تكون مصمتة ، ثم إن موجودات أخرى مفتقرة إلى الوعاء فحلت في أجواف هذه الأفلاك كالأركان ونحوها وجميع ما تولد منها . قوله : ( وقال لي : كل مشار إليه ذو جهة ، وكل ذي جهة مكتنف ، وكل منظور متخيل وكل معلوم مفهوم وكل مفهوم متخيل وكل متخيل متجزىء ومفطور به وكل هواء ماس وكل ماس محسوس وكل فضاء مصادف ) . قلت : كون المشار إليه ذو جهة ظاهر ، وقوله وكل ذي جهة مكتنف إشارة إلى عدم النهاية في المحيطات ، وهو خلاف ما يقوله أرسطو وأشياعه من تناهي الأبعاد وما أيدوه من أدلتهم الظاهرة الفساد ، وعلامة صحة ذلك أن كل ذي جهة إذا اكتنف كان ما اكتنفه أيضا ذا جهة فيكون أيضا مكتنفا والكلام فيه كالكلام فيما قبله ، ولا يفضي إلى التسلسل ، بل يفضي إلى عدم تناهي الوجود وذلك لعدم تناهي الجود الإلهي وسعة المملكة الربانية ، وأما كون المنظور متخيلا فإن صورة الخيال هي له كالمثال ومن ذلك المثال تفطن النفس بوجود ذلك المنظور . وبقية التنزل فيه إشارة إلى عدم الخلاء في الوجود . قوله : ( وقال لي : اعرف سطوتي تحذر مني ومن سطوتي ، أنا الذي لا يجير منه ما تعرّف به . وأنا الذي لا يحكم عليه ما بدا من علمه ، كيف يجير مني تعرفي ، وأنا المتعرف به إن أشاء تنكرت به كما تعرفت به ، وكيف يحكم عليّ علمي وأنا الحاكم به إن أشاء أجهلت به كما أعلمت به ) . قلت : سطوته ذكرها فيمن تعرف إليه فصده العلم عن المعرفة وسيأتي ذكر ذلك وإليه الإشارة في تنكره بالتعرف إذا شاء ، مثال ذلك لو تعرف إليه بالقرب حتى رآه أقرب إليه من كل مرئي فإن شاء أحيا في قلبه ظلمة حجاب العلم فينكر بمقتضى العلم خصوصا علم القائمين أنه لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة لتنزيههم إياه عن الرؤية ، ثم إنه كما إذا شاء ينكر بالعلم عن المعرفة ،