عفيف الدين التلمساني

102

شرح مواقف النفري

فوق مقام الوقفة فأولئك هم قوم في درجات الأكمليات بعد حصول حقيقة الكمال ؛ لأن الوقفة هي الكمال ، والذي فوقها هو درجات الأكمليات ، فيتحقق إذن أن أول السفر الأول المعرفة وآخره وقفة الوقفة التي هي الوقفة الكاملة . وأما بداية السفر الثاني : فهي في أول صفة من مقام البقاء بعد الفناء ، إذ كان مقام الوقفة هو نهاية الفناء فمبتدأ السفر الثاني هو أول دقيقة من مقام البقاء بعد الفناء كما قلنا ، والسالك في هذا المقام سالك في الحق بالحق إلى الحق ، وهو إذ ذاك حق عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله ، ثم لا يزال هذا السالك يسير هذا النوع من السير إلى أن يصل إلى مقام القطبية ، وهو مقام الإنسانية الحقيقية ، فيتمركز لمحيط وجود المقامات بأسرها ، وتصير رتبته حاكمة ، وكل المقامات في أسرها ، ومعنى كون المقامات تصير محيطا لمركز هو مقامه أن المبالغ والغايات من ساير الأناس والخواص من الموجودات ، بل والعوام الجهال في ساير الأطوار النازلات يصير قرب كل مرتبة إنسان منهم قربها من مقامه كقرب أخرى بعدت أو قربت ، فإن المقامات تستدير حول مقامه فيكون القرب والبعد فيها بالنسبة إلى هذا القطب واحدا وإذا حصل هذا المقام الإنسان كان العلم والمعرفة والوقفة كلها جداول من بحره يمد بها من شاء من أهله ويستحق حينئذ المقام المحمود ، لست أعني به الذي وعد به الرسول عليه السلام ، فإن ذلك أعلى من هذا المقام ، إذ هو في السفر الرابع ونحن الآن في ذكر السفر الثاني ، بل المقام المحمود هنا هو أن يستحق أن يكون هاديا إلى اللّه بإذنه ( والهاء في بإذنه عائدة إليه نفسه ) فافهم . وهذا المشار إليه قد كان قبل أن يسد باب الرسالة يستحق أن يكون رسولا ، وأما في زماننا هذا فيستحق أن يكون شيخا مربيا وبركة لمن دعاه . ولا يزال لما ، وذلك لإحاطته باستعدادات الموجودات فيصير كالحادي يحدو بكل أحد إلى وطنه ، ولا يستحق ذلك غير من قام في هذا المقام ، وأما مشايخنا في هذا الوقت فهم بركة للعوام ، وهم منهم في حقيقة ما هم فيه ، إلا أنهم أقرب في مقام الإسلام فافهم . وأما السفر الثالث : فهو لهذا الكامل المذكور ، وهو أن يتوجه إلى الخلق إما بالرسالة كما تقدم وإما بالمشيخة فيتجلى لطالبي الخلاص من أطوارهم وعلى أقدارهم ، فيكون للعابد عالما ، وللمشاهد الجزئي عارفا وللعارف واقفا ، وللواقف قطبا ، فهو أفق كل أحد وفوق سماء كل طالب ، وأما نصيب من هو تحت مقام العابدين من العوام ، فذلك لا يكون إلا بأحد حالتين : إما بأن يكون واحدا من