عبد الله الأنصاري الهروي

411

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

قوله : ويقاويه الاصطبار ، يعني إنّ هذا الشّوق الذي ينبت على حافات المنن يقاويه صاحبه بالاصطبار ، أي قد يصبر صاحبه ، بخلاف غيره ، والمقاومة معلومة ، والاصطبار هو الصّبر . [ الدّرجة الثالثة نار أضرمها صفو المحبّة ] الدّرجة الثالثة : نار أضرمها صفو المحبّة ، فنغّصت العيش ، وسلبت السلوة ، ولم ينهنهها مقرّ دون اللّقاء . ( 1 ) يعني ، شوقا إلى اللّه تعالى في المرتبة الثالثة هو يشبه النّار ، ولما شبّهها بالنّار قال : أضرمها صفو المحبّة ، / وإنّما شبّهه بالنّار لأنّه يحرق الأحشاء . ويقال : إنّ عمر رضي اللّه عنه سأل بعد وفاة أبي بكر زوجة أبي بكر رضي اللّه عنه عن حاله ، وما كان ورده في ليله ، فقالت : إنّ أبا بكر لم يكن بكثير صلاة ، ولكنّه كان يقوم في آخر اللّيل ، فيتوضّأ ثمّ يركع ما شاء اللّه تعالى ، ثمّ يضع رأسه فيتنفّس فنشمّ منه رائحة الكبد المشويّة ، فقال عمر رضي اللّه عنه : من أين لعمر رائحة الكبد المشويّة ؟ فهذا الاحتراق هو من نار الشّوق . قوله : صفو المحبّة ، إشارة إلى أنّ المحبّة لم تكن لأجل المنّة ولا لغرض أو علّة ومرض ، بل هي صافية من أكدار الأغراض ، سالمة من العلل والأمراض ، فسمّى ذلك صفوا . قوله : فنغّصت العيش أي منعت هذه المحبّة صاحبها السّكون إلى لذيذ العيش ، والتّنغيص هو التّكدير ، والعيش هو الحياة . قوله : وسلبت السّلوة ، أي نهبت السلوّ ، والسّلب هو الأخذ قهرا ، والسّلوة هي الخلاص من كرب المحبّة ونسيان المحبوب بالاستغناء عنه .