عبد الله الأنصاري الهروي
381
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
الشاقّة ، ويقتصرون على الفرائض والسّنن الرّواتب ، لما حصل لهم من هذه الطمأنينة . قوله : وطمأنينة الجمع إلى البقاء ، يعني أنّ من شهد حضرة الجمع وجدها تمحو الأغيار ، وتعفي الآثار ، وترفع الثنويّة أصلا ورأسا ، فيذهب عن رؤية الخلق ويرى الحقّ بذاته ، منفردا في كثرة أفعاله وأسمائه وصفاته ، ويرى بقاءه في سرمدانيّته ، وحضرة الجمع مشتملة عليه ، فيشهد البقاء ببقاء ربّه عزّ وجلّ ، فيطمئنّ إلى ذلك البقاء ، فهذه هي طمأنينة الجمع إلى البقاء . قوله : وطمأنينة المقام إلى نور الأزل ، فهو شهود العبد بعين القدم نور الأزل ، ومعنى قولي : بعين القدم ، أي يرى بعين ربّه عزّ وجلّ لا بعينه ، يقتضي قوله عليه السّلام حكاية عن ربّه عزّ وجلّ : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » « 4 » . ومعنى شهوده نور الأزل ، هو أن لا يرى لصفات ربّه بداية ، فكيف لذاته ، وهذا الشّهود هو شهود أهل البقاء بعد الفناء ، وهو من أوائل السّفر الثاني ، ويسمّى هذا السّفر الثاني في اللّه ، أي في مراتب ظهورات أفعاله وصفاته وأسمائه ، والتنقّل فيه يسمّى التّلوين في التّمكين ، والنّاس يعظّمون صاحب ذاك السّفر أكثر ممّا يعظّمون صاحب هذا السّفر الثاني ، لبعد الثاني عن إدراكهم . وبعد كمال هذا السّفر وانتهائه القطبيّة الوجوديّة التي هي / مركز المراكز ، وصاحبها قطب الأقطاب ، يكون بداية السّفر الثالث ، وهو
--> ( 4 ) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق ، باب التواضع . والحديث : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنّ اللّه قال : من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ ممّا افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها