عبد الله الأنصاري الهروي

366

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

إلّا به ، وما لا يؤدّى الواجب إلّا به ، فهو واجب ، فالتنزّل إلى مقدار العقول واجب ، وليس ذلك التنزّل إلّا بأن تمثّل له المعاني الإلهيّة في صور إمّا خياليّة وإمّا جسمانيّة ، ومن التّمثيل بالجسمانيّات ضلّ المشبّهة والمجسّمة ، لأنّهم وقفوا على الأمثلة ولم تقدر عقولهم إلى الوصول إلى معانيها الغيبيّة ، وأهل التّبليغ معذورون في التّمثيل لما ذكرناه من أنّه يجب عليهم التّمثيل ليهتدي أكثر النّاس ، فإن ضلّ بعضهم بطريق العرض ، فعذر الدّعاة إلى اللّه تعالى فيهم مقبول عند اللّه تعالى . / وهنا دقيقة يليق ذكرها بهذا الموضع ، وهو أنّ أهل السّماع من المتمكّنين إذا استمعوا في صفات من محاسن الأجسام من القدّ والخدّ ما يناسب ذلك ، فإنّ لهم مجالا واسعا في معاني ما يسمعونه ، إذ هم أهل تمكين وقدرة على تصريف ما سمعوه إلى المعاني الغيبيّة ، فلا يجوز للعامّة أن يعترضوا عليهم في ذلك أنّهم سلّموا إليهم أنّهم من أهل التّحقيق ، فإن لم يعلموا ذلك فهم معذورون في الإنكار عليهم ، وعلى أهل التّحقيق ألّا يظهروهم على مواطن السّماع ليصونوهم عن الإنكار ، ويصونوا أوقاتهم عن الأكدار ، لأنّ الضّرورة قد دعت إلى مجاورتهم في هذه الدّار ، ولا بدّ من مداراتهم إلى أن تنقضي هذه الأعمار . قوله : والإلهام غاية تمتنع الإشارة إليها ، أي هذا الإلهام هو غاية تمتنع الإشارة إليها ، لأنّه فوق إشارتي الحسّ والعقل ، وذلك قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ ، فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ، فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً « 8 » ، فالذي بين يديه هو الحسّ والعقل ، والذي من خلفه هو الشّهود الغيبي ، فكأنّه يقول : هذا الإدراك يعمّ طوري الغيب والشّهادة ، عموما واحدا يتّحد فيه الإدراك من

--> ( 8 ) الآية 26 سورة الجنّ .