عبد الله الأنصاري الهروي

526

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

قال اللّه تعالى : ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ * « 3 » ، وأهل هذا المقام يفهمون من هذه الآية هذا المعنى ، وذلك أنّ الكتاب العزيز له وجوه ، وله مفهومات لا تحصى ولا تتناهى ، فكلّ مفهوم حقّ في نفس الأمر ، فله في الكتاب نسبة ، وللكتاب العزيز إليه إشارة يعرفها أهلها ، وإنّما سمّى هذه الحياة حياة الوجود إشارة إلى حضرة الجمع ، والوجود المذكور شرفها . ولها ثلاثة أنفاس : نفس الهيبة ، وهي تميت الاعتلال ، ونفس الوجود ، وهو يمنع الانفصال ، ونفس الانفراد ، وهو يورث الاتّصال ، وليس وراء ذلك ملحظ للنظّارة ، ولا طاقة للإشارة . ( 1 ) قوله : نفس الهيبة ، يعني سطوة نور المشاهدة ، وهي عند أوّل ما يسطع نور الوجود فيقع العبد في ذعر يستغرق حسّه في الالتفات إلى غير الحقّ تعالى من عوالم نفسه . قوله : وهي تميت الاعتلال ، الاعتلال هو شعوره بعوالم نفسه ، والهيبة إذا استغرقته عن الشعور بعوالم نفسه فقد مات الاعتلال المذكور ، فهذا معنى قوله : وهو يميت الاعتلال . قوله : وهو يمنع الانفصال ، يعني ونفس الوجود يمنع الانفصال ، وذلك لأنّ العبد / يشاهد أنّ الموجودات غارقة في نور موجدها وهو معها ، قال تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ « 4 » ، وذلك الشّهود يمنع الانفصال ، أي يمنع العبد المشاهد أن يحكم بالانفصال ، بل يقول :

--> ( 3 ) الآية 85 سورة الحج . ( 4 ) الآية 4 سورة الحديد .