عبد الله الأنصاري الهروي

460

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

هذا المعنى الثالث لحين تتلاشى فيه الرّسوم كشفا لا وجودا محضا ، وهو فوق البرق والوجد ، وهو يشارف مقام الجمع لو دام وبقي ، ولا يبلغ وادي الوجود ، لكنّه يكفي مئونة المعاملة ، ويصفّي عين المسامرة ، ويشمّ روائح الوجود . ( 1 ) هذا المعنى هو المعنى الثالث من معاني الوقت المذكور . قوله : قالوا الوقت الحقّ ، يعني أنّ الأوائل من هذه الطّائفة اصطلحوا في عباراتهم على أنّ الوقت الحقّ . قوله : أرادوا به استغراق رسم الوقت في وجود الحقّ ، يعني أنّ الأوائل المذكورين أرادوا بقولهم الوقت الحقّ مفهوما مغايرا لما يقتضيه ظاهر اللّفظ ، يعني أنّ الوقت هو الحقّ نفسه . قال الشيخ رحمه اللّه : إنّهم لم يريدوا هذا ، وإنّما أرادوا به استغراق رسم الوقت في وجود الحقّ ، ويعبّر هذا الاستغراق المذكور هو أنّ العبد السّالك بهذا المعنى الثالث إذا شهد استغراق وقته الحاضر في معنويّة الزّمان المطلق ، فقد استغرق الزّمان رسم الوقت الذي كان جزءا من أجزائه مغمورا فيه ، كالنّقطة من الماء إذا ألقيتها في البحر ، فإنّه يضمحلّ رأس النّقطة في وجود البحر ، ثمّ إنّ الزّمان يستغرق / رسمه أيضا في وجود الدّهر ، وهو ما بين الأزل والأبد ، ثمّ إنّ الدّهر وهو ما لا بداية له ولا نهاية ، هو الدّوام الإلهيّ ، وهو صفة الحقّ تعالى ، إذ هو دوامه ، ولذلك يسمّى اللّه تعالى به . قال عليه السّلام : « لا تسبّوا الدّهر ، فإنّ اللّه هو الدّهر » « 8 » ، على أحد التّفاسير الاعتباريّة ، فإذن يضمحلّ الدّهر في وجود وصف موصوفه الحقّ تعالى ، فيحصل من ذلك اضمحلال رسم الوقت في وجود الحقّ ، فذلك هو مراد القوم بقولهم : الوقت الحقّ .

--> ( 8 ) أخرجه أحمد بن حنبل ج 5 / الحديث 299 .