عبد الله الأنصاري الهروي

98

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

يشهده منفردا ، وذلك لفناء الشّاهد في المشهود ، وسنرى ذلك إن شاء اللّه تعالى كشفا ، إذ قد آمنت به وصفا ، ولي في معنى الفناء « 8 » : يا بديع الجمال فاز محبّ * بلذيذ الوصال منك يهنى كيف يرجو الحياة « 9 » وهو مع الهجر * قتيل وعند رؤياك يفنى ومحلّ الاستشهاد هو آخر البيت الثاني . قال رضي اللّه عنه : بعد الاستحذاء له تعظيما ، الاستحذاء والمحاذاة متقاربان في المعنى ، غير أنّ الاستحذاء يكون من الحقّ تعالى للعبد ، وليس يكون من العبد للحقّ تعالى ، ومعناه أنّ الحقّ يقرّب عبده قربا لا يبقى فيه بينه وبينه واسطة ، وهذا معنى المحاذاة ، لكن بوصف يكون فيه الحقّ تعالى منزّها عن التّشبيه ، وذلك أمر يجده الواجد ، ويقلّ فيه من العبارة الشّاهد . وأنسب ما يعبّر به عن هذا المعنى أن يقال : إنّه التّقريب برفع الوسائط التي بارتفاعها يكمل للعبد حقيقة التّعظيم ، ومن هذا المقام يؤخذ العبد إلى الفناء ، لأنّه إذا رفع عنه وسائط خطاب الهواتف إلى مشاهدة الملائكة الكرام وتسبيحهم وخطابهم نوما ويقظة ، ثمّ يرفع ذلك بالتنزّل والتدلّي المعلومين عند هذه الطّائفة ، ثمّ رفع ذلك بتجليّات الأفعال ، ثمّ رفع ذلك بتجليّات الصّفات ، ثمّ يرتقي إلى التجليّات الأسمائيّة ، ويدخل الصّفات فيها ، ثمّ يترقّى إلى الاستحذاء المذكور برفع وسائط الأسماء ، ثمّ يسلب بوصف الفناء ، فيفنى من لم يكن ، ويبقى من لم يزل ، لأنّ هويّة الحقّ تعالى لا سبيل إلى معيّتها مع شيء ، وإنّما يتعيّن عند اضمحلال الرّسم .

--> ( 8 ) الديوان ورقة 52 ( ب ) . ( 9 ) وفيه : الوصال .