عبد الله الأنصاري الهروي

306

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

[ الدّرجة الثالثة الذّكر الحقيقيّ ] الدّرجة الثالثة : الذّكر الحقيقيّ ، وهو شهود ذكر الحقّ إيّاك ، والتخلّص من شهود ذكرك ، ومعرفة افتراء الذّاكر في بقائه مع الذّكر . ( 1 ) قوله : الذّكر الحقيقيّ ، معنى الذّكر هو صادر من الذّاكر حقيقة ، وذلك هو الذّكر المنسوب إلى الحقّ تبارك وتعالى . وأمّا الذّكر المنسوب إلى العبد فليست هذه النّسبة حقيقة ، فإذا ذكر العبد ليس هو الذّكر الحقيقيّ ، فهذا معنى قوله : الحقيقيّ . قوله : وهو شهود ذكر الحقّ إيّاك ، هذه المسألة لها مقامان أنزلهما شهود ذكر الحقّ إيّاك ، بمعنى إنّه ذكرك فيمن اختصّه وأهله للقرب ، وفيه إشارة إلى السّابقة التي عليها تنبني الخاتمة ، والمقام الثاني عزيز شهوده ، بعيد وجوده ، قليل من يدرك من العبارة معناه إلّا بنور من اللّه ، فلا جرم أضربنا عن ذكره . قوله : والتخلّص من شهود ذكرك ، يعني استغراقك في شهود توحيد الفعل حتّى لا ترى صدور الذّكر إلّا من الحقّ الذي عن قدرته صدر كلّ شيء ، وهذا المعنى يريح العبد من رؤية النّفس ، وينعمه برؤية الحقّ . قوله : ومعرفة افتراء الذّاكر في بقائه مع الذّكر ، يعني أنّ الباقي مع الذّكر يشهد على نفسه أنّه يرى الفاعل ، وهذا هو افتراء على الحقّ تعالى بالنّسبة إلى حقيقة الأمر ، وفي نظر المشاهد لا في مقام العلم يثبت ذلك ، ومقام الشهود ينفيه ، ومن شهد ذلك حكم بأنّ الواقف مع الذّكر الباقي معه هو مفتر ، فهذا معنى قوله : ومعرفة افتراء الذّاكر في بقائه مع الذّكر ، وقد ورد في المواقف « 4 » : أوقفني وقال لي : أنا أقرب إلى اللّسان من نطقه إذ نطق ، فمن شهد « 5 » لم يذكر . ومن ذكر « 6 » لم يشهد . وهذا هو معنى لفظ الشيخ بعينه .

--> ( 4 ) المواقف ص 3 ، موقف القرب . ( 5 ) المواقف : شهدني . ( 6 ) المواقف : ذكرني .