عبد الله الأنصاري الهروي
300
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
ثوبه ، وهنا سرّ ، وهو أنّ العقل لم ينسلب ، لكنّه رأى معاني فوق ما ألف إدراكه ، فانخرم عليه القياس ، وشاهد مدركات شريفة معشوقة ، فاشتغل بها عن إدراك الحواسّ ، وهؤلاء هم المولّهون في جمال الحضرة ، وهم في عداد الملائكة المهيّمة الذين يقال فيهم : إنّهم لا يعلمون أنّ اللّه تعالى خلق آدم لاشتغالهم به عمّن سواه ، وأهل هذه الدّرجة المولّهون مع استغراقهم في جمال المشهود ودوامهم في الغيبة عن كلّ موجودهم ، دون أهل التّمكين في المقام الذين صحوا بعد السّكرة ، وعادوا بالحقّ إلى الحقّ ، غير أنّ العامّة تفضّل المستغرقين على الصحاة الهادين لجهلهم بحقائق المقامات ، وهم معذورون . قوله : وسلب قوما طاقة الاصطبار ، يعني أنّ هذا الأنس الممزوج بالهيمان الغالب على عقول الضعفاء من أهل الكشف بما لاح لأقوام أقوياء لم يسلبهم عقولهم ، لكنّه سلبهم الاصطبار عنه لما يبدو لهم من معانيه العرفانيّة ، ولما يستولي عليهم من جواذب أنوار الجمال الأقدس . قوله : وحلّ عنهم قيود العلم ، يعني بالقيود التقيّدات بأحكام العلم ، انتقالا عنها إلى التقيّدات ببواطنها وحقائقها ، فإنّ لكلّ حقّ حقيقة ، كذلك قال عليه السّلام . وحاصل المعنى يرجع إلى أنّ أحكام العلم للأبرار ، وأحكام باطن العلم للعارفين ، وأحكام الحقائق للمقرّبين ، وليس فوق ذلك إلّا الفناء في الجمع ، ومع ذلك فمن حفظ عليه في سلوكه صورة العلم إلى أن يصل إلى مقام التّمكن والتّحقيق ، ولم ينحل عنه ظاهرا قيود العلم ، فهو الذي أيّده اللّه تعالى بتأييد من عنده ، خلّصه به ممّا يحكم العلم عليه بأنّه فتنة مضلّة .