عبد الله الأنصاري الهروي
265
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
ولا يصحّ ذلك إلّا بأن تعلم أنّ النجاة في البصيرة والاستقامة بعد الثقة ، وأنّ البيّنة وراء الحجّة . ( 1 ) البصيرة هي هنا العلم ، ويريد العلم المنقول الشرعيّ لا العلم العقليّ ، والمقصود أنّ العبد يعتقد أنّ نجاته في العلم الشرعيّ والعمل بمقتضاه . قوله : والاستقامة بعد الثقة ، أي الاستقامة في العمل تحصل بعد الثّقة بصحّة العلم الشرعيّ إيمانا . قوله : وأنّ البيّنة وراء الحجّة ، معناه أنّ العبد بعد اعتقاده أنّ النجاة في البصيرة الّتي هي العلم ، وبعد اعتقاده أنّ الاستقامة في العمل هي بعد الثّقة بالعلم أنّ النجاة فيه ، يجب أن يعلم أيضا أنّ البيّنة / وهو الاتّضاح هو وراء الحجّة ، أي بعد الحجّة ، يعني أنّه يجب على العبد أن يقبل حجّة اللّه تعالى على عباده قبولا مجرّدا عن الممانعة ، بل محض الإيمان ، ويعلم أنّه إذا فعل ذلك اتّضح له بعد العمل الصّالح ما كان قد أشكل عليه من وجه قيام الحجّة عليه للَّه تعالى ، فإنّ العمل نور يجلو ظلمة الجهل ، ولذلك قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً « 4 » ، إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً « 5 » ، أي نورا يفرق به بين الحقّ والباطل ، وبين الحجّة الواجبة والمعترضات الكاذبة . فبهذا القدر يتبيّن لك أنّ البيّنة وراء الحجّة ، أي بعدها ، ولفظ وراء هنا يعطي معنى وراء وقدّام ، كما قال تعالى : وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا « 6 » . أي قدّامهم ، فالبيّنة على هذا الحكم تكون أمام الحجّة الّتي هي حجّة اللّه تعالى على عباده ، وأنّ كلّ من قبل حجّة اللّه عليه إيمانا ، فسوف يبيّنها اللّه تعالى له عيانا إذا عمل عمل أهل التّقوى .
--> ( 4 ) الآية 2 سورة الطلاق . ( 5 ) الآية 20 سورة الأنفال . ( 6 ) الآية 37 سورة الإنسان .