عبد الله الأنصاري الهروي

220

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

واستوطن الصّبر ، وليس من أهل المحبّة ، فيكون ملتذّا بالبلاء في المحبوب الحقّ تعالى ، وأمّا ذكره للفظة أيضا ، فهي إشارة إلى مقام التوكّل ، إذ هو للعامّة أيضا . وأوحشها في طريق المحبّة ، ( 1 ) يعني أنّ الصّبر من أوحش منازل العامّة في طريق المحبّة ، وذلك لما قدّمنا ذكره من أنّ المحبّ يلتذّ بالعذاب في محبوبه ، والصّبر يقتضي أنّ البلاء مكروه ، والمحبّة تقتضي أنّه محبوب ، فيتناقض الصّبر والمحبّة ، وخصّ لفظ الوحشة لأنّ الالتذاذ بالبلاء في المحبّة هو من طريق أنس القلب بالمحبوب ، فإذا أحسّ المحبّ / بالألم بحيث يحتاج إلى الصّبر ، انتقل من الأنس إلى الوحشة ، بل لولا الوحشة لما أحسّ بالألم المستدعي للصّبر . وأنكرها في طريق التّوحيد ، ( 2 ) يعني أنّ الصّبر منكر في طريق التّوحيد ، بل هو أنكر من كلّ منكر ، وذلك لأنّ فيه قوّة الدّعوى ، لأنّ الصّابر يدّعي قوّة الثبات ، فيلزم من هذا أنّه يعتقد أنّ لنفسه قوّة ، وأنّ تلك القوّة عظيمة ، وهذا مبالغة في البهتان ، إذا ليس لأحد قوّة أصلا ، لأنّ القوّة للَّه جميعا ، وبذلك يشهد التّوحيد ، وهو سبب كون الصّبر منكرا في طريق التّوحيد ، لأنّ التّوحيد يردّ الأشياء إلى اللّه تعالى ، والصّبر يردّ الأشياء إلى النّفس ، وإثبات النّفس في التّوحيد منكر . [ درجات الصبر ] وهو على ثلاث درجات : [ الدّرجة الأولى الصّبر عن المعصية بمطالعة الوعيد إبقاء على الإيمان ] الدّرجة الأولى : الصّبر عن المعصية بمطالعة الوعيد إبقاء على الإيمان ، وحذرا من الحرام ، وأحسن منها الصّبر عن المعصية حياء . ( 3 ) الصّبر عن المعصية بمطالعة الوعيد ، أمّا الصّبر عن المعصية فظاهر ، وأمّا بمطالعة الوعيد ، والوعيد هو التّهديد بعذاب الآخرة ، ومطالعته هي حضوره على الخاطر ، وذكره بالقلب .