عبد الله الأنصاري الهروي

213

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

يتوهّم المكاشف أنّها تضرّه ، وذلك تكثر عند مبادئ المكاشفة ، خصوصا إن كان من أهل الخلوة والانقطاع عن الحسّ ، فإنّ الأمر يكون أصعب ، ولا سيّما إن انفتح له عالم الخيال في الخلوة ، فإنّه يبدو له من الغيب صور منكرة من عوالم النّفس ، وربّما تمثّلت له صفات نفسه في صورة مثل أن تتصوّر له نفسه في صورة أسد إذا كانت الصّفة السبعيّة غالبة / عليها ، أو تبدو له صورة إنسان في سلاسل وقيود ، فهي صورة نفسه المقيّدة بالجهالات والأوهام ، فيخاف في عاجل الأمر من صور ما يتمثّل له ، ويعتقد أنّها في الحسّ ، وليست في الحسّ ، بل هي في خياله وفي وهمه ، ولا بدّ لأصحاب الخلوات من رؤية هذه الأشياء . ثم يتنقّل من صور قبحه إلى صور حسنه حتّى تتمثّل له أرواح الملائكة ، وقربه من معاني الرّوحانيّات ما يزاحم عقله المحجوب ، ويشقّ على وهمه ، إذ هو مغلوب ، فالشيخ رحمه اللّه يشير على مثل هذا المكاشف في الدّرجة الأولى أن يسلّم إلى اللّه تعالى ما زاحم عقله ، وما شقّ على وهمه ، فيكون في الأشياء التي لا يعرفها باللّه تعالى لا بنفسه ، ليكون الحقّ تعالى هو الذي يتولّى حمايته وحراسته . قوله : والإذعان لما يغالب القياس من سير الدّول ، والقسم يعني أنّه بدا له من الحقّ تعالى باد يخالف القياس ، فينبغي أن يذعن لذلك ، والإذعان هو الانقياد ، ولا يبدو للمكاشف ذلك . قال اللّه تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ « 2 » . وأمّا تسميته لما يغالب القياس إنّه سير الدّول والقسم ، فما أعرف له معنى إلّا أن تكون الدّول هي الأحوال التي تتبدّل على المكاشف ، فإنّها دول ، وهي أيضا قسم أي حظوظ وأقسام ، واللّه أعلم بالمراد .

--> ( 2 ) الآية 47 سورة الزمر