عبد الله الأنصاري الهروي
194
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
من أعمال النّفس ، والحقيقة لا تبدو مع بقاء النّفس ، لأنّ النّفس ظلمة ، والحقيقة نور ، والنّور ينفي الظلمة ، والنّفس غيريّة ، والحقيقة فردانيّة ، والفردانيّة تنفي الأغيار . واعلم أنّ قوله : شهود الحقيقة لا كسبا ، قد يوهم أنّ الحقيقة قد تشهد بالكسب ، ولذلك قال : لا كسبا ، وليس الأمر كذلك ، بل ما قصد رضي اللّه عنه إلّا أنّ الحقيقة لا تشهد كسبا ، كأنّه قال : وشهود الحقيقة غير مكتسبة ، على أن يجعل شهد بمعنى رأي المتعدّية إلى مفعولين . قوله : ورفض الدّعوى لا علما ، الرّفض هو التّرك ، والدّعوى هو نسبة الشيء إلى نفسه بلا بيّنة ، كمن يدّعي عند الحاكم فيطالب بالبيّنة . قال الشيخ رضي اللّه عنه : فالاستقامة أن يترك الدّعوى ، سواء كانت حقّا أم باطلا . قوله : لا علما ، أي لا يكون العلم هو الذي يحمله على ترك الدّعوى ، فإنّ تارك الدّعوى لكون العلم قد نهى عنها ، هو ممّن يتركها ظاهرا ويعتقدها باطنا ، أو يتركها لفظا ولسان حاله ينطق بها معنى ، لأنّه يرى أنّه قد قام بالأمر ، واستقام في حاله ، وأنّه إن ترك ذكر ذلك ، فإنّما يترك تواضعا لأهل المشاهدة ، فتنسلب أوصافهم ، وتنتسب في الحقيقة إلى موجدها ، وذواتهم محو ، والصّفات قائمة بموصوفها من غير واسطة غيريّة ، فكيف يدّعي من هذا مقامه شيئا ينسبه إلى نفسه ، بل أيّ نفس لهذا فضلا عن أن ينسب إليها شيئا ، فصاحب هذا المقام يرفض الدّعوى لا علما بل لقاء وشهودا وحالا وحقيقة ، ومعنى رفضه للدّعوى ،