عبد الله الأنصاري الهروي
14
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
وهؤلاء إنّما يعبّرون عن إشارة الصوفيّة إلى الصفّ : أي إلى الصفّ الأوّل في العمل على الوصول إلى اللّه والجهاد في سبيله . أمّا إشارة الكلمة إلى « أهل الصّفة » ، الذين كانوا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إنّما تشير إلى أوصافهم من العبادة ، والتهجّد ، وعدم الطمع في الدّنيا ، واستعدادهم الدائم للجهاد في سبيل اللّه . وتشير الكلمة للصّفة : أي الصّفة الكريمة ، التي لا يتعلّق فيها القلب بالمادّة وإنّما يتعلّق باللّه تعالى . وكلّ ذلك إنّما هو حديث عن الوسائل . على أنّ هذه الوسائل التي تشير إليها الكلمة لها وسائل أخرى . هذه الوسائل الأخرى منها ما يعبّرون عنه بقولهم « لا يملك ولا يملك » . ويعنون بذلك أنّه « لا يسترقّه الطّمع » . وهذه الكلمة لها مدلول واسع ، هو أن يتحرّر الإنسان من الدنيا ، حتّى ولو ملكها عريضة طويلة ، يتحرّر من الجاه ، من الانغماس في الملذّات ، من الجري وراء المال ، من حبّ السّلطان ، من حبّ التّرف ، من الصّفات التي تتنافى مع الفضيلة . وخاتمة المطاف في هذه الوسائل : أنّها تؤدّي إلى الصّفاء ، فإذا ما حلّ الصّفاء كان عند الإنسان استعداد كامل للمشاهدة ، فيجود اللّه عليه بها ، إن شاء . هذه المشاهدة هي أسمى درجات المعرفة ، وهي الغاية النهائية التي يسعى وراءها ذوو الشعور المرهف ، والفطر الملائكيّة ، والشخصيّات الربّانيّة .