عبد الله الأنصاري الهروي
103
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
وعبّر عن الثّقة وحسن الظنّ بالسعة ، فإنّ السعة تقتضي انبساط النّفس بحصول المقصود ، كما إنّ اتّساع المكان يبسط النّفس ، وقد يعبّر بالسعة عن كثرة الرّزق ، قال تعالى : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ « 5 » . وصيّة : إن كنت من أهل هذه الدّرجة فعليك الحضور بقلبك مع اللّه تعالى ، ثمّ بالمناجاة والملق يعطك الأنس ، واذكره باسمه الحيّ القيّوم يحيي قلبك بالمحبّة ، فإذا حصلت لك محبّته ففيها دواء دائك . وفرار الخاصّة من الخبر إلى الشهود ، ومن الرّسوم إلى الأصول ، ومن الحظوظ إلى التّجريد . ( 1 ) يعني إنّه يفرّ إلى اللّه من الخبر الذي هو النّقل عن الغائب إلى الحصول على العيان الحاضر الذي هو التجلّي ، وهو يدعوهم إلى الفناء حالا بعد حال بالتّدريج ، وهؤلاء هم أرباب الأحوال . وأمّا الذين ذكرهم قبل ، فهم أرباب الأعمال . فأمّا فرار أرباب الأحوال ، فهو تمسّكهم بمواجيد القلوب ، وإجابة واردات الغيوب ، فإنّهم أهل الأخذ عن اللّه تعالى . قوله : ومن الرّسوم إلى الأصول ، يعني من أحكام العلم والعمل إلى خشوع السرّ للعرفان الحاصل من التجليّات / ، فإنّه لا يقبل منهم من العمل إلّا ما أثبته لهم التعرّف الإلهيّ ، إذ هو نصيبهم من السنّة ، والتعرّف الإلهيّ لا يطالب بفراق السنّة ، ولكن ينقل من سنّة إلى سنّة ، ومن عزيمة إلى عزيمة ، وذلك هو عمل أهل المعارف . وسمّى هذه التعرّفات أصولا ، لأنّ المعرفة هي الأصل الذي لأجله أمرنا بالعلم والعمل ، ألا ترى إلى ما ورد من قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 6 » ، كيف فسّره بعضهم يعرفون ،
--> ( 5 ) الآية 7 سورة الطلاق . ( 6 ) الآية 56 سورة الذاريات .