صفي الدين بن ظافر
8
اخبار الاولياء ( رسالة صفي الدين بن ظافر )
بما هو إنسان ، إنما يتميز عن سائر الحيوان ، بالإدراك ، فالروح العاقل ، والمتصرف في البدن ، ينشأ من إدراكات ، وإرادات ، وأحوال ، وهي التي يميز بها الإنسان ، والمريد في مجاهداته ، وعبادته ، لا بد وأن ينشأ له عن كل مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة ، وتلك الحال : إما أن تكون نوع عبادة فترسخ ، وتصير مقاما للمريد ، وإما ألا تكون عبادة ، وإنما تكون صفة حاصلة للنفس ، من حزن ، أو نشاط ، أو غير ذلك من المقامات ، ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهى إلى التوحيد ، والمعرفة ، التي هي الغاية المطلوبة للسعادة . ويواصل ابن خلدون الحديث عن الكشف ، والاطلاع فيقول : ثم إن هذه المجاهدة ، والخلوة ، والذكر ، يتبعها غالبا ، كشف حجاب الحس ، والاطلاع على عوالم من أمر اللّه ، ليس لصاحب الحس إدراك شئ منها ، والروح من تلك العوالم ، وسبب هذا الكشف : أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ، ضعفت أحوال الحس ، وقويت أحوال الروح ، ولا يزال في نمو وتزايد ، إلى أن يصير شهودا ، بعد أن كان علما ، ويكشف حجاب الحس ، ويتم وجود النفس ، وهو عين الإدراك ، فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم الربانية ، والعلوم اللدنية والفتح الإلهى ، وتقرب ذاته في تحقيق حقيقتها من الأفق الأعلى ، وهذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة ، فيدركون من حقائق الوجود ، ما لا يدركه سواهم ، وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها ، ويتصرفون بهمهم ، وقوى نفوسهم في الموجودات ، وتصير طوع إرادتهم . ولا يستطيع مؤمن إيمانا صحيحا الاعتراض على هؤلاء ، قد انتهلوا جميع العناصر الأولية لتنسكهم من الكتاب الكريم ، والأحاديث القدسية ، والنبوية ، والسنة الغراء ، فاغترفوا من هذه المنابع السامية : أصول الإيمان ، ومبادئ التقوى ، وعناصر الذكر ، والفكر ، وقواعد التطهر الباطني ، وقوانين السلوك العلمي .