ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

244

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

فصل لما ورد أبو حفص من العراق فاختلف له الجنيد في الطعام فأنكر أبو حفص ذلك وقال : يا أبا القاسم أتظن أصحابي مثل [ المجاتبت ] « 1 » والفضول عنه ما ترك التكليف وإحضار ما حضر ، فإن التكليف يورث مفارقة الضيف ، ومن آدابهم : ستر عورة الإخوان ، قال عيسى بن مريم على نبينا وعليه السلام : كيف تصنعون إذا رأيتم نائما وكشفت الريح ثوبه ؟ قالوا : نستره ، قال : بل تكشفوه ، قال : من فعل ذلك كان كمن يستمع في أخيه الكلمة فيزيد عليها ويشنعها بأعظم منها . ومن آدابهم : الاستغفار للإخوان بظاهر الغيب ، والاهتمام بهم مع اللّه في دفع المكاره عنهم . وحكي أن بعض الإخوان ابتلي بهوى فأظهر أخاه عليه فقال : ابتليت فإن بقيت لن تقعد على محبة اللّه تعالى فافعل ، فقعد أخوه بينه وبين اللّه أن لا يأكل ولا يشرب حتى يعافيه اللّه من بلائه فأقام أربعين يوما يسأله عن هواه فيقول ما زال فبعد الأربعين أخبره أن الهوى زال فأكل وشرب . وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال : شر الأصدقاء من أحوجك إلى مداراته ، أو ألجأك إلى اعتذار ، أو تكلفت إليه ، وقال جعفر : أثقل إخواني علي من تكلفت له واحتفظت منه ، وأخصهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي . وكل من قام بحقوق اللّه تعالى رزقه علما بمعرفة النفس ومحاسن الأخلاق ، ويعرفه محاسن الآداب ، ويوفقه من الأذى ، ويوفقه في ذلك كله ، ولا يفوته شيء مما يحتاج إليه فيما يرجع إليه من حقوق الحق ، وإلى حقوق الخلق ، فكل تقصير يوجب من حيث النفس عدم تزكيتها أو بقاء صفاتها ، فإن صحبت طلبت بالإفراط تارة وبالتفريط أخرى فيما يرجع إلى الخلق ، وإلى الخلق والحكايات والمواعظ والآداب وسماعها لا يعمل في النفس تأثيرا ، ويكون كالبئر غلبت فيه الماء فيمكث فيه ولا ينتفع به ، وإذا أخذت بالتقوى والزهد في الدنيا ينبع منها ماء الحياة ، وتفقهت ، وعلمت ، وأدت الحقوق ، وقامت بواجبات الآداب ، بتوفيق اللّه تعالى ومنّته ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وسلم .

--> ( 1 ) كذا بالأصل .