ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

9

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

عن السلف ، فإذا حرك قلوبنا وارد استفتحنا باب ربنا واستأذنا وسألناه الفهم في كلامه ، فنتكلم في ذلك الوقت بقدر ما يفتح اللّه على قلوبنا ، فسلموا لنا تسلموا فإنّا فخّارة فارغة ، والعلم علم اللّه لا علمنا . وكان يقول : فيض الربوبية إذا فاض أغنى عن الاجتهاد ، وقد يعطي المولى القاصر ما لم يعطه لأصحاب المحابر ، وليس مطلوب القوم إلا مجالسة الحق في كل أمر سلكوه ، فإذا حضروا عنده عرفوا بتعريفه كل شيء من غير تعب ولا نصب ، وكان يقول : من لم يكن عنده شفقة ورحمة على خلق اللّه لا يرقى مراقي أهل اللّه . وقد ورد أن موسى عليه السلام لما رعى الغنم لم يضرب واحدة منهن بعصاه إنما كان يهش بها فقط ، وكذلك كان لا يجوعها ولا يؤذيها بعطش ، وجاء بها مرة إلى نهر ليسقيها فوجد منهن شاة عرجاء لا تقدر على الوصول إلى الماء ، فحملها ونزل بها فأسقاها فلما رأى الحق تعالى منه قوة شفقته على غنمه ، بعثه اللّه نبيا وكليما راعيا لبني إسرائيل ، وناجاه بالتورية وغيرها ، فمن رحم رعيته وشفق عليها اصطفاه اللّه من بين الخلائق ، والسلام . وكان يقول : واللّه لو هاجر الناس مهاجرة صحيحة طالبين اللّه خالصا ودخلوا تحت أوامره ، لاستغنوا عن الأشياخ ، ولكنهم جاؤوا إلى الطريق بعلل وأمراض فاحتاجوا إلى حكيم . وكان صورة أخذ سيدي إبراهيم العهد على المريد أن يقول له : يا فلان أسلك طريق النسك على كتاب اللّه تعالى وسنّة نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ، وعلى أن تتبع جميع الأوامر المشروعة والأخبار المرضية ، والاحتفال بطاعة اللّه عزّ وجل قولا وفعلا واعتقادا ، وأن لا تنظر يا ولدي إلى زخارف الدنيا ومطاياها وقماشها ورياشها وحظوظها ، واتبع نبيك في أخلاقه فإن لم تستطع فاتبع خلق شيخك ، فإن نزلت عن ذلك هلكت ، واعلم يا ولدي أن التوبة ما هي بكتابة درج ورق ولا كلام من غير عمل ، إنما التوبة العزم على ارتكاب ما الموت دونه ، فصف أقدامك يا ولدي في حندس الليل البهيم ، ولا تكن ممن يشتغل بالبطالة ويزعم أنه من أهل الطريق ، فإن من اشتهر بالطريق استهزأت به ورفضته . وجاءه مرة فقير يطلب منه أن يلبسه الخرقة فنظر إليه ، وقال : يا ولدي التلبيس في الأمور ما هو جيد ، فإنه لا يصلح للبس الخرقة إلا من درسته الأيام وقطعته الطريق مجهدها ، وأخلص في معاملته وقرأ معاني رموز الطريق ، ونظر في أخبار أهلها وعرف مقاصدهم في حركاتهم وسكناتهم وأسفارهم وأخلاقهم ، فإن كنت يا ولدي تعقد التوبة في هذا الوقت فلا تكن مجّانا ولا لعّابا ولا صبي العقل ، فما الأمر بقول