ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

64

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

فُرُوجَهُمْ [ النّور : 30 ] - فالفاه والشفاه والآذان - فإن كلام العبد كله عليه لا له إلا ذكر اللّه أو أمر بالمعروف أو نهي عن منكر أو إصلاح بين الناس فإذا تحصنت هذه الأعضاء سلم الجسد من الشيطان لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا أردت أن تغلب الشيطان فعليك بالصمت إلا أن يكون الكلام بالعلم » « 1 » لأنه لا مال أنفع من العلم ولا عبادة أربح من الحلم ، ولا قرين أزين من العقل ، ولا رفيق أشر من الجهل ، ولا حسب أحسب من الأدب ، ولا كنز أعز من التقى ، ولا عقل كالتبصر ولا ورع كالعفة ولا بضاعة مثل القناعة ولا غائب أقرب من الموت ، ولا شفيع أصدق من التوبة ؛ لأن الكلام حسن ، وأحسن من الكلام معناه واستعماله وأحسن من استعماله ثوابه ، وأحسن من ثوابه رضاؤه ، من لم يعمل قال اللّه تعالى وهو أصدق القائلين في قصة يوسف : فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ [ يوسف : 54 ] دليل على أن الكلام أفضل من الصمت لكن يصمت عن اللغو واللغط والغيبة والنميمة والوقيعة ، فإن النمام يعمل في ساعة ما لم يعمله الساحر في شهر كما حكي عن موسى بن عمران : « إن فيكم نماما ، قال : يا رب من هو حتى نخرجه من بيننا ؟ قال : يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماما ، ولكن توبوا عن آخركم ، فتابوا فأرسل اللّه فيهم الغيث » . وأما الغيبة فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا قلت لأخيك ما هو فيه فذلك الغيبة فإذا قلت فيه ما ليس فيه فذلك البهتان » « 2 » لأنه سأل سائل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أي شيء أثقل من السماوات والأرض ؟ قال : البهتان على قلب المؤمن التقي » ، فإذا أردت أن تكون من المحسنين اذكر أخاك إذا توارى عنك بمثل الذي تحب إذا تواريت عنه تكن من المحسنين ، ولا تشاغل عما فرض عليك بما قد ضمن لك فليس بفائتك ما قسم لك ، ولست بلا حق ما زوى عنك مكتوب في الزبور « يا ابن آدم خلقتك وخلقت لك رزقك ، فبالزيادة فيه لا تطمع وبالنقصان منه فلا تجزع ، واطلبني تجدني ، فإن فتك فقد فاتك كل شيء ، وإن حصلت لك فقد حصل لك كل شيء » .

--> ( 1 ) الذي ورد : « . . واخزن لسانك إلا من خير فإنك تغلب الشيطان » ( رواه الطبراني في الصغير ، باب الميم من اسمه محمد ، حديث رقم ( 949 ) [ 2 / 156 ] وأبو يعلى في مسنده عن أبي سعيد الخدري ، حديث رقم ( 1000 ) [ 2 / 283 ] ورواه غيرهما ) . ( 2 ) روى نحوه مالك في الموطأ ، باب ما جاء في الغيبة ، حديث رقم ( 1786 ) [ 2 / 987 ] وابن السري في الزهد ، باب الغيبة ، حديث رقم ( 1173 ) [ 2 / 563 ] ورواه غيرهما . ونصه : عن حنطب المخزومي أن رجلا سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ما الغيبة ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع » قال : يا رسول اللّه وإن كان حقا ؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا قلت باطلا فذلك البهتان » .