ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
44
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
والماء الصافي الزلال والفرش والدور والزخرف والقصور والحبور والطيور والمشمومات والفواكه والأثمار والمنوعات والنعمة والنعيم ، يأخذكم من لا يرحمكم ويطرحكم عن مراتبكم ويدعكم في حفر وتراب ، ويمزق البلاء أعضاءكم ويفتت الدود أعصابكم وعظمكم ، وتروح نضارتكم ويطفأ سراج وجوهكم ويخسف قمر دوركم وتجدون قبرا فرشه الدود والتراب . يا منعم أين النسيم والطيب ؟ وأين الحرير واللين ؟ لتجدن ترابا وصعابا وحسابا وانتهارا ، وأعمالك تجدها في لحدك تضربك وتوحشك إذا كان عملك سوءا ، فما أنتن جيفتك ، وما أقبح من يأتيك ليفزعك ، فإن اللّه تعالى يخلق عملك ليفزعك هذا أول محط عن رتب ، وواراك في ترب ، وغطاك بعد غطائك بالتراب وكان غطاؤك مضمخا ومعنبرا . يا ابن آدم واللّه إن عشت كثيرا أو قليلا الكل عليكم واحد وأنت تطوي حبل عمرك بيدك وأنت تستعجل في طي نفاد أجلك كلما طويت من الأيام أترى ما طويت على طويتك هل انطوت طوياتك على الأعمال المبرورة أم على الأعمال المشهورة المنكورة ؟ ! فإذا فاتك أجلك لعل أن تكون من السابقين إلى الخير ، فأنت أضعف ضعيف فالملك حكم أن من عصاه لا بد أن ينتقم منه إلا إن تاب ورجع إلى مولاه ، فإن اللّه يحبه ويقربه ويدنيه وتحت جنابه يؤويه ويوليه ومن كل خير وبركة ونعمة يعطيه ، فإن كنت يا هذا قد ودرت وأنت إلى الآن ما تبت فباللّه عليك تب توبة نصوحة بقلب صحيح ، لعل أن تمحى زلتك ، ويباعد عنك خطيئتك وتنزل قبرك آمنا مأمونا ، وتلقى ربك راضيا عليك ، فإن اللّه تعالى إذا تاب إليه العبد تاب عليه وقبله ، وتقبّل منه أعماله . فيا جميع من سمع كلامي أنا نصوح لكم فمن كان منكم حقق توبته فليتقدم وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النّور : 31 ] إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتوب في اليوم والليلة اثنين وسبعين مرة فإذا كان ولدي مصمما مجدّا عاملا هكذا جعله اللّه رحمة وداعيا ، فحينئذ يا ولد الحلال تكون تتوب الناس وتدعوهم إلى طاعة مولاهم وتأمرهم وتنهاهم ، وتحذرهم وتنذرهم ، وتكون مجتهدا ما يفلح مريدك فإن نمت نام وإن قمت قام ، والمريد على قدر ما يربي ممن يتوبه فكن آمرا بالأعمال الصالحة تعمل بنفسك وتأمر بالعمل ، وإذا رآك الذين تأمرهم بالعمل عاملا عملوا وسمعوا ، وعملت فيهم الموعظة ، وإن كنت يا بطال بطالا فتأمرهم بالعمل قالوا يعدل هذا نفسه ويقوم ويصوم ، فإن كنت عمالا ولم تعظهم وعظتهم أعمالك التي يرونها ،