ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

33

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

ومجد وسلم وكرم صلاة أحق هو بها وأجدر من جميع الخلق والبشر ، صلاة ملء السماوات والأرضين وعدد كل شيء وعدد ورق الشجر وعدد الرمل والحصى وما في البر والبحر والسير ، صلاة أرجوها ذخيرة تنفعني غدا في الموقف الأكبر والهول الأعظم والمحشر ، فإن من صلّى عليه صلاة صلّى اللّه عليه بها عشرا ، ومن ختم عمله بالصلاة عليه قبل اللّه ذلك العمل ورضي عنه مولاه وأحبه ومنه شكر ؛ فإن اللّه قرن طاعته بطاعته فقال عزّ من قائل : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النّساء : 80 ] فهو نبي الهدى وهو النبي المصطفى وهو الذي أنزل اللّه في حقه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [ الإسراء : 1 ] فما أسعد من اتبع رسالته ولم يخالف ، قال اللّه تعالى في حقه : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] فهو يقول صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا من اللّه والمؤمنون مني » « 1 » فرحم اللّه امرءا تزوّد لنفسه ، ومهّد لرمسه واغتنم الآجلة في أيام العاجلة ، وعمر قبره قبل أن يدخله ؛ فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إن هذه دار منزل لا دار استواء ومنزل نزح لا فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولا يحزن لشقاء » « 2 » فيا طالب الآخرة خذ من الأعمال أصلحها وأزكاها وأسمحها ؛ فإن اللّه تعالى يقول : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزّلزلة : 7 ، 8 ] وكل ما يعمله العبد من صدقة أو معروف أو بر أو أجر ؛ فإن اللّه تعالى يقول : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ الأنبياء : 47 ] فاعمل ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم يوم تتقطع السماء قطعا ، يوم يغور الماء غورا ، وتتبدل الأرض جمعا يوم الدهشة والحيرة ، يوم الزلزلة ، يوم لا مرد له ، يوم عظيم يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 6 ) [ المطفّفين : 6 ] إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ( 1 ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ ( 2 ) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ( 3 ) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ ( 4 ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ ( 5 ) [ الانشقاق : 1 - 5 ] فذلك يوم يشيب فيه الطفل الرضيع ويدهش فيه الكبير وتحاسب كل نفس على ما صنعت ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت .

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) روى نحوه الديلمي في الفردوس عن ابن عمر ولفظه : « يا أيها الناس إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ومنزل فرح لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ألا وإن اللّه خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها واهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها ولا تسعوا في عمران دار قد قضى اللّه خرابها ولا تواصلوها وقد أراد منكم اجتنابها فتكونوا لسخطه متعرضين ولعقوبته مستحقين » .