ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

18

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

صحوان ، المبتدىء يلبس الخلوق « 1 » والدلوق والمنتهي يلبس الخلوق ، المبتدىء يلبس الصوف والمنتهي يلبس ثوب الصفى ، هذا جهيد وهذا شهيد ، هذا ممزق أثوابه وهذا مزّق قلبه حبّ أحبّائه ، هذا أنحل من السقم وهذا عبل من لطافة الكرم وأوسع النعم ، هذا بالظاهر كدود وهذا بالباطن مقرب غير مبعود ، المبتدىء يحاسب نفسه على الذر والمنتهي يحاسب نفسه في سر السر ، المبتدىء بالرياضة يقتدي والمنتهي بالإفاضة يقتفي ويفتني ، المبتدىء في الأحوال والأقوال ، والمنتهي تعدى الحال والقال وليس له مطلوب إلا ذو الجلال ، المبتدىء ترقى في المحال إلى المقام ، والمنتهي طوى المقامات والمحالّ ورأى كل عارض في الطريق عاطل « ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » « 2 » ، هذا يلبس الخشن ويحمله وهذا رقيق الثياب لا يستطيع حمله ، لأن المبتدىء عذابه لجسده والمنتهي حاله في قلبه ولبه ، فقلبه أحرقته نيران حبه وتجليات استنزالات مواد إمداد مدد ربه ، كيف لا يحمل من لا حمل حمله في قلبه ومن حمل في قلبه فهو مغشى بالحرق والأرق لا يحمل ما دقّ ولا ما رقّ ، وكيف والماء يزيد لهبا والنسيم كل ما هبّ زاد تأججا وعجبا ، وأرق وأدق من هذه الدقيقة من اصطفاه اللّه بحبه ، لقوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [ الأنفال : 24 ] فحينئذ يخرج من الحريق والشهيق إلى درجة المشاهدة ، وأن يكون صدّيقا ويعود مع منقلبه لا مع قلبه ومع محبوبه ، هذه درجة الواصلين الأقوياء من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ورضي اللّه عن أصحابه أجمعين . هذا له أعمال وهذا له أحوال ، هذا من المقربين وهذا من المختصين ، هذا في خلوته وهذا في جلوته ، هذا في عزلته وهذا في بذلته وقطبيته ، هذا فريد وهذا وتيد ، هذا في الجمع مختلي وهذا في الجمهور مجتلي وهو جليس وهو شهيد ، وهذا فرد فريد وهو بين الناس . وهذا عنهم باين وفي موطن القرب ساكن ، المبتدىء ممتلئ بين الجلّاس والمنتهي يفر من المخالطة للناس ، لأنه يحب العمارة والأساس . وللمريد مع شيخه الأدب وحسن الطلب والتسليم للشيخ وأن لا يتكلم إلا بدستوره وإن أحسن الظن ، التسليم من المريد للمراد ، فإن الشيخ إذا رأى المريد على

--> ( 1 ) الخلوق : الخلوق من الطيب وفعله التخليق والتخلق ، وخلق الثوب يخلق خلوقة أي : بلي . ( العين للفراهيدي ) . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب أيام الجاهلية ، حديث رقم ( 3628 ) [ 3 / 1395 ] ومسلم في صحيحه ، كتاب الشعر ، حديث رقم ( 2256 ) [ 4 / 1768 ] ورواه غيرهما .