ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

13

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

مقدمة المؤلف الإمام القطب سيدي إبراهيم الدسوقي * قال رضي اللّه عنه * الحمد للّه الذي ابتدع الأشياء بحكمته ولطيف قدرته ، الحمد للّه الواحد الأحد الفرد الصمد الديّان الرؤوف العظيم المنّان الحليم الرحيم الرحمن ، خالق الأشياء من العدم ومجر القلم بما يكون وما كان ، كان بلا كون ولامكان ، كون الأكوان ودبر الزمان ، خلق الذرة ونظرها نظرة وكلمها كلمة فسارعت بالذوبان فأزبدت فانفجرت من الزبد الأرض ومن الدخان السماوات بإتقان ، لما جرى الماء رغى رغوة وزبد زبدة فكانت مكان البيت والأركان ، سطح الأرض على الماء ورفع السماء . قال تعالى في محكم القرآن : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) [ فصّلت : 11 ] رفعها وزيّنها بالنجوم وجعل فيها فلكين دائرين كسى أحدهما نورا والآخر ضياء وحبورا فهما قمران نيّران وفوقهما طباقا وطوابق قددا ، وطرّزها طرازين مباركين فجعل الليل أصلها والنهار أجلها . قال تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [ يس : 37 ] هذا فيه أرباح وهذا فيه سراج لمعاش الإنسان ، فالشجر والثمر والبر والبحر والمدر والشمس والقمر آيتان والنجم والزرع والكلأ والنفع والسقع والروض والفيض كرما من الحنان ، والخيل والإبل والأنعام والطعام والشراب كل ذلك للبدن يغذيان ، تكرم بالكرم وأمر بالطاعة وحرم المحارم وحرم المآثم وعرفكم كيد الشيطان ، جعل العبرة لمن يعتبر والموعظة لمن يزدجر ووعد من أطاعه بالجنان ومن عصاه بالنيران وحتم بالموت ، وحكم بالفناء على الخلق والإنس والجن ، فبعد السعة قبر مظلم الأركان ، وبعد النعيم والفرش صديد الديدان والهول المنتظر والرجفة والصعقة وسؤال الملكين ، والحفرة والنهرة والنقلة ودخول مكان يا له من مكان ، وانشقاق الثرى وتقطيع السماء وقيام الخلق حفاة عراة الأبدان ، وقد ازورّت منهم الحدق ولجمهم العرق إلى الأعناق والأذقان ، والأرض حرة جمرة والسماء