ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
127
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
توفيق الهيبة والجلال ، وانبعث فيهم من العطاء الإلهي شيء عقل عقول العقول حتى بقيت لها عقول تعقل العقول لا المنقول ؛ لأن عالم العقل العالم الإنساني اكتسى سر عقل العطاء ؛ ليدرك معاني الاصطفاء بالاجتباء بعد التقليل بالكتاب المشروع ، فتراهم يتلون بأسرارهم إذ مروا ، يتلون من أمر ترقيهم وقربهم ووقت لهم من هذا ، وهو نظر ربهم إلى قلوبهم ؛ فإن اللّه تعالى قد ذكر على لسان نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم : أن اللّه تعالى لينظر إلى قلوب أوليائه في اليوم والليلة اثنين وسبعين مرة ، ينظر إليهم باللطف والرأفة والرحمة والعطف ، وإلا تدكدك الجبل من جزء واحد من تسعة وتسعين جزء من سم الخياط . قال اللّه تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] فاللّه تعالى لا يشغلنا بتلفيق الكلام ولا بوصف أهل المدام ؛ فإن من اشتغل بحفظ كلام الناس أو جمع الحقائق ولسان المتكلمين في الطريق ، فمتى يعيش عمرا آخر حتى يفرغ من علم الفناء إلى علم البقاء ؛ لأن القوم كان كل منهم متكلما بلسان محبته وذوقه ، فهو كلام لا يحصى ولا يحصر لأنه بحر غرق فيه خلق كثير ، ولا وصل أحد إلى قعره ولا إلى ساحله ، بل الاهتمام أن يكون الشغل بمالك الوجود ومليك الأكوان ، فإذا كان باللّه لا بالكلام ولا بالنظر إلى العمل ولا بالتصدر في المقام ، أو بين الأعوام أو بين من ضيّع عمره أن يكون في الجمع بعد تحقيقه الجمع والتفرقة ، وخروجه عن عالم الحس والخيال ، ولا يكون قوله غارقا بالكلام أو محبا بوصف المحبة . ولقد شهد اللّه العظيم ما أتكلم أو أخط في قرطاس ، [ لا وأتاحي ] « 1 » أن يكون ذلك شاغلا أو كاشفا لمعنى خفي الإتمام ، وليس الإرادة إلا سمة [ إلا صورة ] « 2 » ، وصمت باطن المسطور ، وكلام بلا تعب كما قال بعض أهل التحقيق : أهل الطريق يعبرون بسر الأبدية والأزلية والأحدية ، وليس طلب من طلب والوحدة لضعف من يقول الخلوة ضعف ، إنما كان قد قطع كل الحجب ، ولم يرض بالعلم المكسوب ، ولا يقف مع الموهوب ولا المرغوب إلّا مع علّام الغيوب لكن فضلا من اللّه تعالى واصطفاء واصطناعا وخلود نعمة قد سببه ، وأمور ربانية ، ومحبة معنوية خالصة ؛ لأن اللّه تعالى إذا أحبّ عبدا قال : يا جبريل إنني أحببت فلانا فأحبه ، ثم يوضع له القبول في الماء وقيل في الأرض « 3 » ، فكل من شرب منه حب ذلك الرجل ، وأهل اللّه بحمد
--> ( 1 ) كذا بالأصل وهي غير واضحة . ( 2 ) كذا بالأصل وهي غير واضحة . ( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .