ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

125

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

وأما قوله : مقام العيان ، فإن بعضهم يقول : إذا انفردت النفس تفكرت ، وإذا تفكرت تعبدت ، وإذا تعبدت هطل عليها سحاب العلم النفسي فنظرت بالعين النورانية ولحظت بالنظر الثاقب ، ومضيت على الشريعة المسنونة فأخبرت عن الأشياء قبل ورودها وذلك معنى قوله : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] فعلم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وحقيقة اليقين يخبر بالعيان أو سر التمليك للأسرار ، حتى لا حجاب من حجب الأعمال ولا القلوب ولا الأجسام ، ووقفنا الذي نحن فيه نشكر اللّه عليه إذ قال صلى اللّه عليه وسلم : « يأتي زمان على أمتي تراهم إخوان الظاهر أعداء السرائر والضمائر ترى عابدهم ذليلا وعاملهم حقيرا القابض على دينه كالقابض على الجمر » قيل : يا رسول اللّه لم ذلك ؟ قال : تلي في حضرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [ المائدة : 105 ] قالوا يا رسول اللّه : لا نأمر بمعروف ولا ننهى عن المنكر ؟ قال : « بلى مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، ولكن إذا رأيتم شحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليكم أنفسكم ، وأن العامل منهم له كأجر سبعين عامل منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا » « 1 » ، أولئك الذين يؤمنون بالورق المعلق والطريق عدد أنفاس الخلائق والمقصود واحد بذاته فرد بصفاته . والقلوب كما قيل قلبان - وقيل ثلاثة وقيل أربعة - فقلب يزهر وقلب من الشمس أبهر « 2 » ، وقلب أسود منكوس يقلبه الشيطان ، فأما القلب السليم فهو القلب المحفوظ ، حشوه المحبة والإيمان والمعرفة والعلم والعقل والحلم ، والحليم عنايته وحراسته ، ليس للشيطان عليه سبيل ، ولا للموانع والتوابع والقواطع والران ، والقلب إذا صفى أطغى في عالم اللطف حجاب ، يكون صاحبه تحت حجابه ، وأما غاية العناية أن يكون مع مقلبه لا مع قلبه ، وتكون الأطوار كلها فيه ، وأما الأرواح ، فهي في الأزل متعارفة متكلمة متحاببة ، كما قال : « [ الأرواح جنود مجندة ] ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » « 3 » ، والقلوب والأرواح مع لطفها لا تنحجب بالجدران ، لأن الأنوار الربانية المسرجة في باطن سر الاطلاع ممتد أنوارها كالشمس في السماء وضوؤها في الأرض ، ذلك اتصال قلب المحب ، كما قال بعضهم :

--> ( 1 ) هذا الخبر لم أجده بلفظه فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) أبهر القوم احترقوا أي صاروا في بهرة النهار وهو وسطه . ( 3 ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، كتاب الفتن والملاحم ، حديث رقم ( 8296 ) [ 4 / 466 ] ، ورواه أحمد في المسند ، عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 10969 ) [ 2 / 539 ] ورواه غيرهما .