ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

114

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

والعرشي والكرسي والسماء والماء والفلك والهواء والأرض والثرى ، فإذا كان المقتدي بالشرائع والكتاب واقفا بين الأمر والنهي كما فتحه حقيقي حقي ، وفك له عن المشكل وعرف كل العلم المبهم المقامات بلسان العرفان ، فليس من حفظ علم الكلام وترتيب وصف المقامات فاشتغل بنقل كلام الناس فإن ذلك شغل له عن إدراك الإدراك وعما عين النظر إلى مشاهدة علوم الحق ، فليس من وصف واشتغل بالوصف كمن عرف وحمل وعبر بالحقيقة ما استوسطه ، فكم من حملته عناية حتى شاهد ولو سئل عن وصف المقامات ما وصفها ، فالذي يبرز من ضمير الفوائد أن الاختلاف في كلام القوم في المقامات كلها من علم التوحيد والمعرفة والمحبة والتوبة والزهد والورع والإخلاص والصدق واليقين والتقوى والوصول والاتصال والمجاهدة والمشاهدة والتصوف والصفاء والمروءة والفتوة والفقر والحقيقة والصبر والتصبر والخوف والرجاء والفرج والهم والحزن والقبض والبسط والاستغراق والحال والوجد والصحو والمحو والسكر والشكر والذكر والفكر والغناء والبقاء والاستغفار والحمد والسياحة ، فإن الأبواب كثيرة والمقامات عددها كثير وإنما اقتصرنا بالتعداد ، فليس الفائدة في كثرة الوصف ؛ فإن كل محقق يقول على حسب حاله وذوقه ، وهذا بحر عظيم قد غرق فيه خلق كثير ، فإذا حصل التوحيد بالقلب ووحد القلب هيبة الوحدانية ، ونطق لسان حال القلب لا لسان فعاله ، فله الوحدانية وكشف له عن سر التوحيد ، وذاق فائدة مواهب الوحدانية ، فحينئذ غسل ماء التوحيد قلبه ، ونقاه وطهره وأحياه وأعمره وغمره فصفاه ، وتصفى وسرى سر التوحيد نور فنور قلب القلب ولب اللب ، وشعشع منطلقا في أرجاء القلب فتلألأت أرجاؤه ونار ظاهر القلب وباطنه بالسر فنظر بعين الغطاء ، وكشف له عن غوامض الغوامض الغطاء ، فمن رزقه اللّه تعالى أن يوحد اللّه تعالى فأولئك كل العلوم والفوائد من قطرات التوحيد . واعلم يا ولدي أن اشتغالك برواية من يختلف قوله إنما هو شغل ، فأولئك كان لهم ذوق وكل مجتهد منهم نال ما تكلم به فهم كانوا يعبرون عن أحوالهم بمقالهم ، أوعية كانت ملآنة بعطاء اللّه تعالى ، ومن مواهب اللّه ففاضت فقطرت وانبجست فانفجرت وتفجرت من عين عين عين عين عن حاصل من ماء الحياة ، والناقل أخبار مقامات اختلاف القوم إنما هو وصاف مسك بقشور ووقت المعنى والفائدة ما يجد نقطة ولا نبذة من ذوق القوم ذرة وإني لقد أجد الحياة الدنيا والإيمان أن الرجل ليستحي أن يذكر مقاما أو وصفا أو يوصف عن غيره فيسمى وصافا ، وليس ذلك هو المقام ، إنما إذا تركت هذه المقامات واحتزمت بحزم أهل التوحيد والمعرفة والمحبة