ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

105

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

أما تعلمون أن اللّه تبارك وتعالى يهلك المفلح بالمفسد ، ويأخذ بمخالف أو متجرىء أناسا كثيرا ، فكيف والطابع بين هؤلاء المعتدين ؟ ! يا عاقل بدل طريقك السوداء الظلماء الغبراء الشنيعة الوحشة المظلمة الكثيرة التخلف والشقاوات ، بدل صحيفتك السوداء ومسلكك القبيح ، وثناءك المنتن الغير مليح ، خبرك بين أطباق الأرضين وأفق السماء ولعنتك وسبتك ومقتتك ، ولا أحد في الكونين يحبك ؛ لأن غضبهم لغضب مولاهم ، لما أن غضب على أبيك آدم ، غضب عليه الكونان أما الكون العلوي فرفضه ولفظه وزجره ورماه ، ونادى مناد من كل شجرة وكل طائر وكل ملك وكل أفق وكل سماء وكل ورقة وكل غصن وكل دار وكل قصر وكل شهر وكل مسكن وكل خلق وكل لسان : اخرج يا عاصي عنا هذا بجناحه يضربه ، وهذه الشجرة بورقها تخطفه ، وهذا الملك يوبخه ويعنفه ، وارتج الكون ارتجاجا ، ونادى مناد ثم جاءه الوحي بعدما لحقه من ضرب الأطيار والأوراق وتنكيل كل من في الكون فناداه مولاه : اخرج منها واهبط منها . فكيف يا مسكين ، هذا كان صفوته هذا كان خيرته ، هذا كان لب الوقت ، هذا أسجد له ملائكته هذا أعطاه ما لم يعط أحدا قبله من الملائكة أجمعين ولا الإنس والجان ، هذا أطلعه في ساعة حتى سمى كل أحد باسمه ، هذا أسجد له ملائكته ، هذا أسكنه جنته ، هذا أتحفه وألبسه حللا وتيجان درّ وقلده بقلائد الجوهر المرصعة في دائر حلقه ، ووشائح الأنوار أمامه وقدامه ، وجعل كل من في العلى خدامه ، وقربه فلم يكن أقرب منه ، وعلمه فلم يكن في وقته أعلم منه ، وأعطاه نعما وتحفا وكرما ولباسا ومعاشا حسنا وجنانا بما فيها فرضي ، وبعد ذلك أذنب ذنبا واحدا أهبط إلى الأرض وبعد أن كان منعما مكرما صار مقشفا مرهدنا أنزع قماشه ، وأسقط التاج عن رأسه ، وأقلع عنه رياشه ، وأخرجه منها ، وأسكنه إلى هذه الأرض والحر ، والقرّ والبرد والتعب والنصب والحراثة . هذا جزاء المخالفة ، نادى بعد أن أنزعه ما كان فيه إذ نادى عليه وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] ، هذا بعد أن بدل نعمه بكدر العيش ، وحلله بالعري وتيجانه بحر الشمس ، ولباسه ببرد القر وتيهه في الجنة وخضرتها ومائها المنسكب وقصورها الذهب ، وظل سقف عرش الرحمن ، بعد التقريب أبعده ، وأهبط إلى الثرى ، وجعل بعد فرشه المفروشة وأسرته المرصعة المانوبتة وجواهر تيجان ويواقيت حلل امتنان ، وعبير النسيم وماء التسنيم وريح المسك الأذفر ونعيم حسن ونور يزهر ، أهبط إلى الأرض ، وجعل بعد ريح المسك العرق والأوساخ وبعد الفرش التراب ، وبعد جوار