أبي المعالي القونوي

356

شرح الأسماء الحسنى

ومع شموله الكثير والقليل وجمعه بين الضّدّين لا يسري حكمه إلّا في أصحاب الهمم العالية ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ أباح لعبده أن يجازي المسييء بمثل إسائته بقوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 1 » فصاحب السّيّئة مأثوم ، والسّيّئة الجزائيّة أيضا مثلها « 2 » بالنّص من أنّها تسوء بالمجازي بها كالقصاص ، فأبى العارف لعلوّ همّته أن يكون محلّا للإتّصاف بما يسمّيه الحقّ سيّئة فاختار العفو على الجزاء بالمثل فإنّ السّيّئة قد ذهبت عليها وانعدمت وإن بقي أثرها فهي لا تقبل الجزاء ولا أثرها كالجرح الحاصل من فعل المسيئ إذا اقتصّ المجروح من الجارح صار الآخر مجروحا ولم يبرئ جرح الأوّل فلو قبلت [ قلّبت ] السّيّئة أو أثرها جزاءا لزال عينها منه فالسّيّئة فعل المسيئ وقد ذهب بذهاب زمان مباشرته ولم يبق إلّا المسمّى فأنزله الشّرع منزلة السّيّئة وأضيف الجزاء إليه ، ولهذا قال عليه الصّلاة والسّلام في صاحب السّيّئة : « أما إنّه لو قبله كان مثله » فلو علم النّاس ما في العفو ما جازى أحد من أساء إليه ، ولكنّ الحجب على أعين البصائر مسدولة فلا يسكن إلّا بحصول الأغراض بالمؤاخذة واستعجال التّشفّيّ ومن أعظم الجنايات من بهت مؤمنا ونسب إليه من المذامّ فمن كمال مكارم الأخلاق ظهور العفو منه عند ذلك وهو أن يكتم على الجاني سرّه بعدم المنازعة وإيثار الجناية على نفسه فمثل هذا لا تبلغ الأفهام كنه ما استحقّه

--> ( 1 ) - سورة الشورى ( 42 ) : الآية 40 . ( 2 ) - من هنا إلى آخر الاسم العفو ساقطة في مخطوطة طهران .