أبي المعالي القونوي

286

شرح الأسماء الحسنى

شيء سوى الخلق ، وبوجودهم ظهر حكم الحيرة ، لأنّه سمّي خلقا لاختلاف الأحكام ، فإنّك إذا نظرت إليه من حيث وجوب وجوده قلت حقّ ، وإذا نظرت إليه من حيث إمكانه قلت خلق ، وكذلك حال السالك السّائر تارة يقول : « أنا أنا ، وهو هو » ، وتارة يقول : « أنا هو ، وهو أنا » ، وتارة يقول : « لا أنا ، ولا هو » ، وهذا عند كشف سرّ قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 1 » ، فنفى وأثبت ، وهو من موجبات الحيرة ، و [ هو ] الحقّ بانفراده بوجوب الوجود نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ « 2 » ، وهو الشؤون الّتي كلّ يوم هو فيها أزلا وأبدا ، ولا يزهق إلّا ما له عين وجوديّة إمّا في الحسّ وإمّا في الخيال ، وكلّ ما زهقت وذهبت صورته لا يرجع أبدا ، لأنّ الرّجوع تكرار ، ولا تكرار لأعيان الوجود ، لعدم نهاية التجلّيّات الحقيقيّة ، والحقّ ما دمّغه وأذهبه عن حدّ الوجود الظّاهر إلّا [ و ] يقذف مكانه صورة أخرى ، فما ذهقت صورة باطل إلّا بورود صورة حقّ ، فهي من حيث ورودها حقّ ، ومن حيث ذهوقها باطل ، فهي الدّامغة والمدغومة ، عند كشف هذا السّرّ قال من قال : « أنا الحقّ » ، فإنّ الوليّ لا ينطق إلّا بلسان الحال .

--> ( 1 ) - سورة الأنفال ( 8 ) : الآية 17 . ( 2 ) - سورة الأنبياء ( 21 ) : الآية 18 .