أبي المعالي القونوي
224
شرح الأسماء الحسنى
المؤمن محجوب من حيث أنّه مؤمن بقول المخبر ، والمكاشف صاحب شهود ، يشاهد صدق المخبر مشاهدة عين . وصاحب هذا المقام ذو عينين : عين بصر وعين بصيرة ، وإنّهما له بمثابة كفّتي الميزان ، يخفض تارة ويرفع أخرى ، لعلمه بالمواطن وما يقتضي كلّ موطن من الحكم ، لا يتعدّى أبدا ، فتراه في موطن يرحم الخلق ويرافق « 1 » بهم ، فإذا حضر إقامة حدّ من حدود اللّه أزال حكم الرّأفة ، وأقام الحدّ ، لتحقّقه بسعة الرّحمة الإلهيّة ، وكمال رأفته بعباده ، ومع ذلك شرع الحدود ، وأمر بإقامتها ، وقال تعالى : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ « 2 » . وعذّب أقواما ، وأهلكهم بأنواع العذاب بمقتضى حكمته ، فصاحب البصيرة لا يزال ميزان الشّرع في يديه ، يزن به أفعاله وأقواله قبل وقوعها ، فإن علم أنّها يقود به إلى محلّ السّعادة أمضاها ، وإلّا أمسكها ، وحمى نفسه عنها ، ولمّا أخبر الحقّ - سبحانه وتعالى - أنّه جعل للإنسان عينين أخبر عن نفسه تعالى أنّ له أعينا قال جلّ ذكره : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا « 3 » ، وهو أعين الخلق وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 4 » ، ولكن لا يعلمون إلّا من فتح اللّه عينه بنور العيان « 5 » فيشاهد ذلك .
--> ( 1 ) - ص : يرأف . ( 2 ) - سورة النور ( 24 ) : الآية 2 . ( 3 ) - سورة الطور ( 52 ) : الآية 48 . ( 4 ) - سورة الأعراف ( 8 ) : الآية 198 . ( 5 ) - ص : بنور العبادة .