أبي المعالي القونوي
134
شرح الأسماء الحسنى
اعلم أنّ الرّحمن سمّيت « 1 » باسم المبالغة لعموم آثارها ، وشمول سريانها ، وسعة مجال تعرّفاتها ، وأنّه « 2 » لمّا انقسمت رحمة اللّه إلى واجبة وامتنان ، فرحمة الامتنان فيض من حضرة الرّحمن ، وبهذه الرّحمة ظهر ما ظهر ، وبها حفظ الخلق ، ورزقهم على ما هم عليه ، وبها كان مآل أهل الشّقاء في الدّار المعمورة بهم إلى الرّحمة ، ومن عموم رحمته وشمول رحموته سريان النّفس الرّحمانيّ في ذوات الأشخاص ومراتب الأكوان وأفراد تعيّنات الإمكان ، وإن وجد فيما ظهر ما يناقض الرّحمة صورته عند العموم - مثل الغضب والآلام - فهو عين الرّحمة من حيث الوجود كشفا وتحقيقا ، فإنّ من رحمة الحقّ بالغضب إيجاده المغضب ، وإخراجه من العدم إلى الوجود ، وإزالته في الموطن الّذي غضب غضبا لم يغضب مثله قبله ولا بعده - كما ورد في الخبر « 3 » - رحمة بعباده ، كما كان إيجاد الغضب رحمة بالغضب ، فعمّت سلطان الرّحمة الإمتنانيّة - الّتي وسعت كلّ شيء - لدخول كلّ شيء فيها ، وهي محلّ سلطنة اسم الرّحمن . ومن عموم هذه الرّحمة عظم فضل اللّه علي الأشقياء ، وإن كان مآلهم إلى دار الشّقاء ، فإنّهم يستعذبون العذاب ، لأحكام آثار سريان الرّحمة فيهم على الوجه الّذي يليق بحالهم ، فإنّ ظهور الفضل لا يعظّم إلّا في العصاة
--> ( 1 ) - ص : يسمى . ( 2 ) - ص : أنه غير موجود . ( 3 ) - ص : في الخبر في الغضب رحمة للعباد .