أبي المعالي القونوي
55
شرح الأربعين حديثا
حظوظ حيوانيّته ، فلم يبق له إلّا ما يخصّ روحه المفارق الممتاز « 2 » عن بدنه في مقابلة إيمانه ، وصدق عزيمته وقصده بما أقدم عليه من المشاقّ التي ارتكبها طلبا لرضاء اللّه ورغبة في إعلاء كلمته ، وقمعا لأعدائه ، وامتثالا لأمره ، فمتى سلم وغنم لم يحصل له من جهاده ما يصلح أن يكون نصيب روحه الممتاز المجرّد إلا ما يستحضره من صدق وعد الحق المخبر عنه ، وذلك أمر مستصحب لكل مؤمن صديق ، فوضح بما ذكرت لكل مستبصر أنّ أجر المجاهدين ينقسم كما أشار إليه عليه السلام « 3 » ثلاثة أقسام ، وأن السالمين الغانمين منهم قد تعجّلوا ثلثي أجرهم ، أعنى القسمين من الثلاثة ، وهما حظ طبيعتهم ، وحظ نفوسهم الحيوانية ، وبقي لهم حظ أرواحهم المدّخر لهم في الآخرة بخلاف السريّة التي تخفق وتخوّف وتصاب . فلذلك قال عنهم عليه السلام « 4 » : إنّه تمّ لهم أجرهم ، فتنبّه للأسرار المودعة في الإشارات النبوية تعرف أنّه عليه السلام « 5 » / : ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى « 2 » ، وإنّ إشاراته « 6 » مشتملة على زبد « 7 » العلوم ، وإنّ من لم يطّلعه اللّه عليها فليس من ورثته ، ولا من العالمين بشريعته ، بل إنّما هو حافظ وناقل صور بعض أحكام ظاهر « 8 » شريعته دون معرفة المراد منها وسرّ وضعها وما تضمنته « 9 » من العلوم والحكم فافهم ، واستبصر ، واحمد اللّه « 10 » .
--> ( 2 ) - ق : المجتاز ( 3 ) - ع : عليه الصلاة والسلام ( 4 ) - ع : عليه الصلاة والسلام ( 5 ) - ع : عليه الصلاة والسلام ( 6 ) - ع : إشارته ( 7 ) - ق : زبدة ( 8 ) - ش : - ظاهر ( 9 ) - ش ، ع : يتضمّنه ( 10 ) - ق : والحمد للّه . ( 2 ) - سورة النجم ( 53 ) ، الآية : 3