أبي المعالي القونوي

47

شرح الأربعين حديثا

التصديق أو استحضار رجاء العفو والتوبة والاستدراك . وأمّا إشارته إلى القسم الآخر المختصّ بروح الايمان فهو ما ذكره حارثة « 16 » حين سأله صلّى اللّه عليه وسلم « 17 » : كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال : أصبحت مؤمنا حقّا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : إنّ لكلّ حقّ حقيقة ، فما حقيقة إيمانك فقسم « 18 » معنى الايمان الذي هو روحه إلى حق وحقيقة ، فلمّا قال حارثة : عرفت نفسي « 19 » الدّنيا فتساوى عندي ذهبها وحجرها ومدرها ، وكأنّى انظر إلى عرش ربي بارزا وكان « 20 » أهل الجنّة في الجنّة ينعّمون ، وأهل النّار في النّار يعذّبون ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلم « 21 » : عرفت فالزم « 6 » ، أي عرفت أنّ الشرط في كمال التصديق استحضار ما وردت به الاخبارات الإلهية والنبويّة على التعيين ، وإذا فهمت ما نبّهت عليه في هذا الحديث وشرحه عرفت أن ما بعد كأنّى أنظر إلى عرش ربّى ، إنّما هو فوق مرتبة الايمان ، لأنّه علم تامّ وشهود محقّق ومعاينة ، وإليه أشار أمير المؤمنين علىّ رضى اللّه عنه « 22 » بقوله : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، أي لو رفع الحجاب المسدل على أبصار الجمهور وبصايرهم ما ازددت يقينا ، لأن ذلك الحجاب مرفوع عنّى الآن ، فمقام كأنّى برزخ بين التصديق الجملىّ وبين الكشف العيانىّ والعلم الشهودىّ لأنه كما قلنا عبارة عن استحضار أفراد الاخبارات المصدّق بها لقول « 23 » المخبر المصدّق ، وتمثيل ما قرن بها من الوعد والوعيد ولوازمهما المذكورة آنفا فافهم .

--> ( 16 ) - ش : + ل ، والأصح هو الحارث بن مالك الأنصاري ( 17 ) - ش ، ق : عليه السلام ( 18 ) - ش : نقسم ( 19 ) - ق : + عن ( 20 ) - ش : كأن ( 21 ) - ع : عليه الصلاة والسلام ( 22 ) - ش : عليه السلام ، ع : + وكرم اللّه وجهه ( 23 ) - ق : بقول ( 6 ) - رواه الطبراني وأبو نعيم ، أنظر كنز العمال للهندى : ج : 13 ، ص 351