أبي المعالي القونوي
93
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
الهداية الحاصلة للذين ذكر وصفهم إلى آخر السورة بصفتي الإثبات والنفي التنزيهي ، وهو الانسلاخ من النسب الكونيّة والصفات العارضة ، والبقاء على الأصل الذي هو الثبوت الإمكاني المقابل للنور مقابلة العبوديّة الكاملة للربوبيّة ، وهو مقام الاستهلاك الثاني في الحقّ ، كما سألوّح ببعض أسراره من بعد عند الكلام على سرّ الهداية - إن شاء الله تعالى - مضافا إلى ما سلف ذكره في سرّ الفتح والعلم . ويختصّ بهذه المرتبة العبادات الليليّة والتي لها الآخريّة ؛ ومن القائمين بحقّ « 1 » مظهريّة هذه المقامات الكلّيّة « الظالم » . وأمّا البرزخ المنعوت بالضياء ، والمسمّى بالعماء ، فيستند « 2 » إليه مقام إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ « 3 » ومن شأنه أن يدرك ويدرك به ، ويختصّ به العبادات البرزخيّة الجامعة ، كالمغرب والصبح وكلّ ما لا يتقيّد بأوّليّة و « 4 » آخريّة . ومن الورثة القائمين بحجج الله وحقّ مظهريّة هذه المقامات الكبرى الإلهيّة « المقتصد » القائم في الوسط والموفي كلّ ذي حقّ حقّه ، كربّه الذي أعطى كلّ شيء خلقه ، فهذا مقام الفرديّة الأولى « 5 » ، الذي وقع فيه الإنتاج والتناسل بالنكاح الغيبي والروحاني والطبيعي والعنصري والجامع بين جميعها . ومن هذه تعرف شرائع الإسلام الخمس ، والصلاة « 6 » وغير ذلك ، وتعرف هذه من الحضرات الخمس الأصليّة ، وسيرد في الكلام على الاسم « الربّ » في قوله رَبِّ الْعالَمِينَ من ذلك ما ييسّر الله ذكره - إن شاء الله تعالى - ثم نقول « 7 » بلسان هذا المقام البرزخي الجامع : فالأحكام الإلهيّة تبدو من الحقّ من حضرة غيبه وترجع إليه كما أخبر ولكن بالممكنات ، وأحكام الممكنات يتّصل من بعضها بالبعض ولكن بالحقّ ، فللممكنات من الحقّ الإظهار الإيجادي ، والذي لحضرته منها القبول ، وكونها شرطا في رجوع أحكام الأسماء المتعيّنة بها وإظهار آثارها من الحقّ إلى الحقّ كما مرّ آنفا
--> ( 1 ) . ق : الحق . ( 2 ) . ه : يستند . ( 3 ) . الفاتحة ( 1 ) الآية 5 . ( 4 ) . ب : أو . ( 5 ) . ق : لا توجد . ( 6 ) . ق : صلوات . ( 7 ) . ب : فنقول .