أبي المعالي القونوي

79

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

أنّه يتعذّر معاينته إلّا بالمتشكّل كما أنّ المتشكّل يتعذّر إدراكه إلّا بواسطة الشكل . وكذا يغلط من يعرف من حقائق الأشياء أعراضها وصفاتها ، ويظنّ أنّه قد عرف الصفة من حيث حقيقتها ، وهو لم يعرفها إلّا من حيث كونها صفة لموصوف مّا ، كما سبق التنبيه عليه ، وكما قلنا آنفا في الكيفيّات المدركة : إنّها أحوال للأمر المتشكّل من حيث هو متشكّل لا مطلقا ، فافهم . وهذه المعرفة متعلّقها النسب لا الحقائق ، وصاحبها إنّما عرف نسب الحقائق بقيود سلبيّة أو إضافيّة ، و « 1 » لم يعرف كنهها ؛ إذ معرفة كنه الحقائق لا تحصل إلّا بالطريق المذكور من قبل ، المختصّ بذوق الأكابر - رضي اللّه عنهم - ثم نقول : فأجزاء حدّ كلّ شيء بسيط ليست أجزاء لحقيقته ، بل لحدّه فحسب ، وهو شيء يفرضه العقل في المرتبة الذهنيّة ، فأمّا هو في ذاته فغير معلوم من حيث هو هو ، حتى تنتفي « 2 » عنه الأجزاء نفيا حقيقيّا ، أو تثبت « 3 » له ، ولهذا السرّ وما سبق بيانه في أوّل الكتاب تعذّرت معرفة حقائق الأشياء من حيث إطلاقها وبساطتها في حضرة الغيب الإلهي الذي هو معدنها الأعلى ، الوجه المنبّه عليه في سرّ العلم من قبل . فالمتشكّل في ضرب المثل إذا اعتبر مجرّدا عن الشكل « 4 » يكون في حضرة العلم الإلهي الغيبي ، فلا يتعيّن لنا ؛ لما بيّنّا ولا يمتاز ، فلا « 5 » ينضبط في تصوّر ، ولا يتأتّى تعريفه وتحديده وتسميته والتعبير عنه ؛ لعدم تحقيق « 6 » معرفته إلّا على وجه مجمل ، وهو أنّ ثمّة شيئا وراء هذا الشكل من شأنه أنّه متى اعتبر مجرّدا عن الصور والصفات والاعتبارات المعيّنة له والأشكال ، لا ينضبط في تصوّر ، ولا يمكن تعقّله على التعيين وشهوده ، فلا بدّ من أمر يظهر به الشكل الذي تقيّد به الأمر الموصوف بالتشكّل ، حتى تأتّى إدراك كلّ منهما - أعني الشكل « 7 » والمتشكّل - من حيث ذلك الأمر وهو نسبة الجمع . وأمّا اعتبار الشيء مجرّدا عن الشكل « 8 » وحكم التشكّل كما قلنا - فيتعذّر معرفة حقيقته

--> ( 1 ) . ق : لم يرد . ( 2 ) . ق : ينقى . ( 3 ) . ب : ثبت . ( 4 ) . ق : التشكّل . ( 5 ) . ق : ولا . ( 6 ) . ق : تحقّق . ( 7 ) . ق : التشكّل . ( 8 ) . ق : التشكّل .