أبي المعالي القونوي
69
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
هذا إن اقتضى الأمر الإلهي مروره على سلسلة الترتيب وما فيه من الحضرات ، وإذا « 1 » وصل من الوجه الخاصّ الذي لا واسطة فيه ، فلا ينصبغ إلّا بحكم حال من ورد عليه ووقته وموطنه ومقامه لا غير . والكلام في كلّ مرتبة لا يكون إلّا بتوسّط حجاب بين المخاطب والمخاطب ، كما أخبر سبحانه في كتابه العزيز ، ولذلك الحجاب مرتبة الرسالة بالنسبة إلى من هو محلّ ذلك الحجاب ، « 2 » والحجب والوسائط تقلّ وتكثر ، وأقلّها أن يبقى حجاب واحد وهو نسبة المخاطبة بين المخاطبين ، « 3 » فالحروف والكلمات المنظومة الظاهرة رسل وحجب للكلمات والحروف الذهنيّة ، والذهنيّة رسل وحجب للحروف المعقولة ، والحروف المعقولة تتضمّن رسالة معنى الكلام الوحداني ، ثم الكلام الوحداني يتضمّن رسالة المتكلّم به من حيث نسبة ما تكلّم به ، ثم المفهوم من المتكلّم به يتضمن مراد المتكلّم من حيث الأمر الخاصّ المفهوم من كلامه ، ثم الاطّلاع على ذلك الأمر الخاصّ يفيد معرفة الباعث على صدور ذلك الكلام من المخاطب ، إلى المخاطب ، وهذا هو سرّ الإرادة الذي « 4 » تنتشي منه صفة الكلام من كونه كلاما ، وفوقه مرتبة العلم الذاتي المحيط . وبالغايات وأحكامها يعرف سرّ أوّليات البواعث والمقاصد وعللها وأسرارها ؛ لأنّ الخواتم عين السوابق خفيت بين طرفي البداية والغاية للمزج وتداخل الأحكام وغير ذلك ممّا لا يقتضي الحال ذكره هنا ، وتظهر الغلبة في آخر الأمر للأوّل وسنومئ في آخر الكتاب في فصل « خواتم الفواتح » إلى بعض « 5 » أسرار هذا المقام إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) . ق : إن . ( 2 ) . ب : خطاب . ( 3 ) . ه : هي . ( 4 ) . في بعض النسخ : التي . ( 5 ) . ق : أخصّ .