أبي المعالي القونوي
36
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
أراهم ارتباطها بالمألوه ، وأوقفهم على سرّ التضايف المنبّه على توقّف كلّ واحد من المتضايفين على الآخر وجودا وتقديرا ، فظهر لهم وجه مّا من وجوه المناسبة ، ثم نعت الألوهيّة بالوحدانيّة الثابتة عقلا وشرعا ووجدوها نسبة معقولة لا عين لها في الوجود ، فشهدوا وجها آخر من وجوه المناسبة ، وعرّفهم أيضا أنّ لكلّ موجود - سواء كان مركّبا من أجزاء كثيرة أو بسيطا بالنسبة أحديّة تخصّه وإن كانت أحديّة كثرة . وأنّ الغالب والحاكم عليه في كلّ زمان في ظاهره وباطنه حكم صفة من صفاته أو حقيقة من الحقائق التي تركّبت منها كثرته . فأمّا من حيث ظاهره فلغلبة إحدى الكيفيّات الأربع « 1 » التي حدث عن اجتماعها مزاج بدنه - على باقيها . وأمّا من جهة الباطن فهو أيضا كذلك ؛ لأنّ الإرادة من كلّ مريد في كلّ حال وزمان لا يكون لها إلّا متعلّق واحد ، والقلب في الآن الواحد لا يسع إلّا أمرا واحدا ، وإن كان في قوّته أن يسع كلّ شيء . وأراهم أيضا أحديّة كلّ شيء من حيث حقيقته المسمّاة ماهيّة وعينا ثابتة وهي عبارة عن نسبة كون الشيء متعيّنا في علم الحقّ أزلا ، وعلم الحقّ نسبة من نسب ذاته ، أو صفة ذاتيّة لا تفارق الموصوف ، كيف قلت على اختلاف المذهبين ، فنسبة معلوميّة كلّ موجود من حيث ثبوتها في العلم الإلهي لا تفارق الموصوف . فظهر من هذه الوجوه المذكورة مناسبات أخر ، ولا سيّما باعتبار عدم المغايرة لعلم « 2 » الذات عند من يقول به ، فالألوهيّة نسبة ، والمعلوميّة نسبة ، والتعيّن نسبة ، وكذا الوحدة المنعوت بها الألوهيّة نسبة ، والعين الممكنة من حيث تعرّيها عن الوجود نسبة ، والتوجّه الإلهي للإيجاد بقول : « كن » ونحوه « 3 » نسبة ، والتجلّي المتعيّن من الغيب الذاتي المطلق والمخصّص بنسبة الإرادة ومتعلّقها من حيث تعيّنه نسبة ، والاشتراك الوجودي نسبة ، وكذا العلمي . فصحّت المناسبة بما ذكرنا الآن وبما أسلفنا وغير ذلك ممّا سكتنا عنه احترازا عن
--> ( 1 ) . ب : الأربعة . ( 2 ) . ق : العلم . ( 3 ) . ه : نحوها .