أبي المعالي القونوي
20
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
قبله دون منازعة ، انتفع به ، ومن وجد في نفسه وقفة أو بدا « 1 » منه نزاع ، لم يجيبوه ، بل أحالوه على الاشتغال بنفسه ، والتوجّه لطلب معرفة جليّة الأمر فيما حصل له التوقّف فيه من جناب الحقّ بالرياضة وتصفية الباطن ، ولم يزل أمرهم على ذلك إلى زمان أرسطو ، ثم انتشت صنعة الجدل بعد من عهد أتباعه « 2 » المسمّين بالمشّائين وإلى هلمّ . وإذا كان هذا حال أهل الفكر والتأمّل ، الآخذين عن الأسباب ، والمتوجّهين إلى الوسائط ، فما الظنّ بالمستضيئين بنور الحقّ ، المهتدين بهداه ، والسالكين على منهاج الشريعة الحقّة النبويّة ، الآخذين عن ربّهم بواسطة مشكاة الرسالتين : الملكيّة والبشريّة ، وبدون واسطة كونيّة ، وسابق آلة وتعمّل أيضا ؟ كما نبّه الحقّ سبحانه على حال نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله في ذلك بقوله : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا « 3 » وبقوله أيضا : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ . « 4 » فمثل هذا الذوق التامّ يسمّى علما حقّا ، ونورا صدقا ، فإنّه كاشف سرّ الغيب ، ورافع كلّ شكّ وريب . وها أنا ذا أذكر المقدّمة الموضّحة مرتبة الفكر والبراهين النظريّة وغايتها وحكم أربابها ، وما يختصّ بذلك من الأسرار والنكت العلميّة بلسان الحجّة الإلهيّة على سبيل الإجمال ، ثم أبيّن أنّ العلم الصحيح - الذي العلوم النظرية وغيرها من بعض أحكامه ، وصفاته « 5 » عند المحقّقين من أهل اللّه - ما هو ؟ وبما ذا يحصل ؟ وما أثره ؟ وما حكمه ؟ ثمّ أذكر بعد ذلك ما سبق الوعد بذكره إن شاء اللّه تعالى . ولولا أنّ هذه المقدّمة من جملة أركان التمهيد الموضّح سرّ العلم ومراتبه وما سبق الوعد ببيانه ، لم أوردها في هذا الموضع ولم أسلك هذا النوع من التقرير ، ولكن وقع ذلك تنبيها للمحجوبين بأنّ الإعراض عمّا توهّموه حجّة وصفة كمال وشرطا في حصول العلم اليقيني ،
--> ( 1 ) . ب : أبد . ( 2 ) . ق : تباع . ( 3 ) . الشورى ( 42 ) الآية 52 . ( 4 ) . العنكبوت ( 29 ) الآية 48 . ( 5 ) . ق : أحكامها وصفاتها .