أبي المعالي القونوي

16

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

للمتأمّل بهذه القواعد جمل أسرار هذه السورة ، وتشرق له شموس أنوارها المستورة ، فعلى الناظر في هذا المسطور ، الراغب في استجلاء أسراره ومعانيه أن يتدبّره حرفا حرفا ، وكلمة كلمة ، جامعا للنكت « 1 » المبثوثة فيه بإضافة خواتمها إلى سوابقها ، وإلحاق متوسّطات فوائدها بأوائلها وأواخرها ؛ فإذا انتظمت النشأة المعنويّة ، وتشخّصت صورة روحانيّة الكلام في المرتبة الذهنيّة نظر إليها بعين الإنصاف والاستبصار نظر أولي الأيدي والأبصار ، فحينئذ يعلم ما أودع في هذا المختصر من غرائب الأسرار والعلوم ، ولطائف الإشارات والمفهوم ، فما وجد من فائدة وخير « 2 » ، فليحمد اللّه عليه ، وما رأى من نقص وخلل لا يجد له محملا صادقا ، أو تأويلا في زعمه موافقا ، فليسرّحه إلى بقعة الإمكان إن لم يتلقّه بالتسليم ، وليستحضر قوله تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ « 3 » ؛ فإنّ علم اللّه أعظم من أن ينحصر « 4 » في ميزان معيّن ، أو ينضبط بقانون مقنّن . هذا مع أنّ البشريّة محلّ النقائص ، فما كان من عيب فمنها ومن المشاهد لا من المشهود والوارد ، وفي قول العارف الإمام : « لون الماء لون إنائه » شفاء تامّ ، واللّه وليّ الإرشاد والتوفيق ، لأحمد نهج وطريق .

--> ( 1 ) . ه : لنكت . ( 2 ) . ب : وجيزة . ( 3 ) . يوسف ( 12 ) الآية 76 . ( 4 ) . ق : يحصر .