أبي المعالي القونوي

121

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

والواحد في مرتبة وحدته التي لا يظهر فيها لغيره عين لا يدركه سواه ؛ إذ لو أدركه الغير ، لما صحّ كونه واحدا ؛ فإنّ نسبة معقوليّة إدراك غيره له أمر زائد على حقيقته ، ولا يمكن أن يتّصل به أيضا حكم من خارج ؛ لأنّه ليس ثمّة ما يخرج عنه ، فلم يدرك إلّا بنفسه ، أو « 1 » بما ظهر منه وامتاز عنه ؛ لعدم مغايرته إيّاه من أكثر الوجوه . ولمّا كان مبدأ انبعاث النفس الإنساني - الذي انفتحت فيه صور الحروف - هو باطن القلب ، وله الغيب الإضافي نظير الغيب المطلق ، الذي له النفس الرحماني ، وهو مستند الأحديّة والتعيّن الأوّل المشار إليه وكان « 2 » الشفتان آخر مراتب النفس الإنساني والكلام ، ولهما « 3 » الشهادة والتثنية الظاهرة ، في مقابلة التثنية الأولى المتعيّنة من الوحدة وبها ، وكان الواحد من شأنه أن لا يتعيّن في مرتبة من المراتب بنفسه ، بل يعيّن ولا يتعيّن ، والألف - كما بيّنّا - مظهره وكان أقرب الحروف نسبة إلى الألف هو الباء ، كما أنّ أقرب المراتب نسبة إلى الوحدة هي « 4 » التثنية الأولى المذكورة لمجاورة آخر نقطة الدائرة أوّلها ، ولما علمت من حال الكثرة - التي هي في « 5 » مقابلة الوحدة - من أنّها تنتهي عند التحليل إلى الوحدة التي انتشت « 6 » منها . النظريّة الدوريّة والحروف العاليات وأحكام الوجود والحقائق والمراتب والموجودات دوريّة ، والحركات المعقولة والمحسوسة من الأمور الكلّيّة والتالية لها أيضا دوريّة ، وهذا من البيّن عند الألبّاء المستبصرين ، فظهر - لما قلنا وكما بيّنّا - [ أنّ ] حرف الباء في المرتبة الثانية من الألف . وقد أسلفنا أنّ كلّ ظاهر متعيّن فإنّه اسم دالّ على أصله الذي تعيّن منه وظهر به ، فالحروف والكلمات اللفظيّة والرقميّة هي أسماء الأسماء ، لدلالتها على حقائق الأسماء الغيبيّة .

--> ( 1 ) . في بعض النسخ : و . ( 2 ) . ق : كانت . ( 3 ) . ق : لها . ( 4 ) . في بعض النسخ : هنّ . ( 5 ) . في بعض النسخ : لم يرد . ( 6 ) . في بعض النسخ : انتشأت .